test

الثلاثاء، 25 يونيو 2024

بينيديتا: دين الأنثى

تدوينة نشرتها على حسابي على ليتربوكسد بتاريخ 9 نوفمبر 2021 

 


في اللحظة التي تجبر فيها الراهبة الطفلة بينيديتا على التخلَي عن تمثالها للسيدة العذراء متحججة بأنهن «يملكن عذراءهن الخاصة هنا» ندرك أن بينديتا قد انتقلت من الدين باعتباره تجربة خاصة فردية إلى الدين باعتباره منظمة وطقس وأسطورة وتدوين تأريخي للمعجزات، وبالتالي إما أن تكون منكشفًا على حقيقة الله وصاحب معجزة، وإما أن تكون ممسوسًا من الشيطان، وإما لا شيء، المهم حتمية وجود ثمة إجابة أو حقيقة، فالدين المنظم المؤرخ المدوَن لا يقبل تعدد التصورات، إما أن تكون چان دارك مجنونة وإما أن تكون قديسة، إما أن بينيديتا لفقت ندوبها بنفسها وإما قد تجلَى لها المسيح، لا وسط ولا تعددية للطرق التي يجري بها الله الأمور.

في كتابه «إرادة المعنى» يضرب ڤيكتور فرانكل مثالًا صريحًا بچان دارك، ويقول أنها قطعًا كانت مصابة بالذهان ولا جدال في ذلك، لكن إنكار تأثيرها التاريخي أو إلقاء أثرها الروحي جانبًا يعني ببساطة الاقتصار في فهم الظاهرة على النزعة السيكولوچية، وفي أول ظاهرة تختبرها بينيديتا بعد التخلي عن تمثالها الخاص والانصهار في الدين الجمعي متمثلًا في تمثال العذراء الكبير مكشوف الثدي، ينهار التمثال عليها بشكل غريب لترقد أسفله وتلقم ثديه الحجري، وهنا يتساءل الراهبات عمَا إذا كان ما قد حدث هنا معجزة، فتجيب فيليسيتا بأن الأحداث ليست بالضرورة معجزات، إذن فهي ترى طبيعة للحدث وأخرى للمعجزة، وهو ما ستؤكده لاحقًا لكريستينا حينما ستتحدث عن طرق الرب، لكن ماذا لو تساءلنا عمَا دفع بينيديتا من جانبها للقم ثدي التمثال، حينها سيتجلَى جانب جديد للظاهرة غير الحدث والمعجزة، وهو جانب التحليل النفسي.

يرى فرويد الأسطورة والميثولوچيا بشكل قريب من الأحلام، وبالتالي يمكن أن تخضع للتحليل النفسي، ومعروف مثلًا تفسيره لأسطورة أوديب، وقياسًا يمكننا إسناد ظواهر دينية على مدار تاريخ البشر للتحليل الفرويدي. في أول مشهد بعد مضي الثمانية عشر عامًا وظهور بينيديتا الشابة العشرينية نراها تصلَي لأول مرة إلى «الأب» بعد أن كنا لا نراها تصلي إلا إلى «الأم» سواء الأم الخاصة في تمثالها الصغير أو الأم العامة في التمثال الكبير، والانتقال من الأم إلى الأب يمكن أن يعكس بنسبةٍ ما انتقال الفكر الديني عبر تاريخ الإنسانية من الألوهة المؤنثة إلى الألوهة الذكورية، وإسنادًا إلى التحليل الفرويدي فسنرى في الألوهة المؤنثة الطبيعة الإيروتيكية للجمال الأنثوي، مثل الثدي المتجلَي على پوستر الفيلم الذي هو أول مؤثر حسي يختبره الطفل، وسنرى في الألوهة الذكورية الاحتماء في قوة الذكر وخشونته وفحولته وسيادته الأبوية البطريركية، علاوةً على أن اعتداد الراهبات عرائس أو زوجات لقمة الرجولة التي هي المسيح مكتمل الناسوت واللاهوت له وقعٌ يوحي بتلك الدلالة، وخيالات بينيديتا عن الزوج/المسيح كانت مثالية في التعبير عن ذلك ولا شك، فهل تختلف خيالات بينيديتا الدينية عن خيالات شخصية كاترين دينوڤ المنحلة في فيلم بونويل بيل دي چور؟ إنها متماثلة إلى حد بعيد حتى مع وصفنا للأولى بأنها تجربة باطنية دينية والثانية بأنها انحلال وفسق وفجور.

وبالنظر إلى عناصر أخرى في الظاهرة الدينية سنجد أن بإمكاننا تطبيق نفس التحليل الفرويدي، فالطريق إلى المسيح الذي هو الألم والمعاناة يمكن أن نراه باعتباره نزعة سادومازوخية، وهو ما ستبرر به بينيديتا تقريبًا إجبارها لبارتولوميا على وضع يدها في الماء المغلي، وهو ما سيدفعها للمطالبة بأن تجلد كريستينا نفسها، لنجد بارتولوميا بعدها تسألها إن كانت قد استمتعت بهذا المشهد، وحينما سيحاكم الأسقف بينيديتا سنجدها تدلك قدميه، وعلى الرغم من أن هذا السلوك يشتهر نسبه للسيد المسيح، ومن المفترض أن هذا النسب هو أول ما يأتي لذهن رجل الدين، فإننا على العكس نجد الأسقف يسألها إن كان هذا الطقس محاولة منها لإغوائه، ويسألها كذلك من أين تعلمت «أساليب العهر» فتجيبه بأنها لا تعرف ولن تسأله في المقابل أين تعلمها هو أيضًا، وصحيح أننا رأينا الأسقف يعيش حياة فاحشة مما قد يجيب جزئيًا عن سؤال أين تعلَم هو العهر، لكنه لا يصلح بتاتًا للإجابة عن السؤال بخصوص بينيديتا التي قضت عمرها كله في الدير، بينما سنجد الإجابة الوافية تقريبًا في التشابه بين أساليب العهر والظواهر الدينية من الناحية النفسية.

الخيالات أو الرؤى التي تراها بينيديتا يمكننا اعتبارها البوابة الَتي ستعيدها من الدين الجمعي المؤسسي مرة أخرى إلى الدين الفردي الخاص، وهو أمر مفهوم باعتبار تلك الرؤى تجارب روحية خاصة، لكن لن يعيدها من الألوهية الذكورية إلى الألوهية المؤنثة إلا علاقتها العاطفية والجنسية مع بارتولوميا، فمع التواصل الحسي والجنسي معها سنجد رؤى بينيديتا تتحوَر في شكلها من الشكل الذكوري نحو شكلٍ أقرب للأنثوي، بل إنها في إحدى الرؤى ستجد المسيح وقد امتلك عضوًا أنثويًا، ولن يعبر عن دين بينيديتا الخاص أكثر من تمثالها القديم للعذراء حينما تنحته بارتولوميا ليصبح قضيبًا صناعيًا فيجمع بين الأنثى والذكر في آنٍ واحد، وبالتالي نجد التميمة الَتي كانت تصوَر دينها الفردي الخاص في الصغر قد باتت تصوَر دينها الفردي في الكبر، الَذي يغلب عليه الجانب الجنسي الَذي يشكل من الأساس جانبًا نفسيًا جوهريًا في التجربة الدينية.

في محاكمة بينيديتا سنجد أحد القساوسة يرفض التصديق بأن ثمة علاقة يمكن أن تحدث بين امرأتين، نرى رد فعله ذاك وكأنه رد فعل ذكوري لقسٍ أخبروه للتو بأن الإله في حقيقته أنثى، وهو موقف تلقائي يدعم من نظرية التحليل النفسي للظواهر الدينية، بل إن تقريبًا جنون الأسقف ومن معه لم يشتعل إلا لنبذ السيطرة الأنثوية على الظاهرة الدينية وليست للخطيئة في حد ذاتها، خاصةً أن مشهد التعذيب أثبت أنهم لا يمانعون إدخال الأشياء في أعضاء الإناث من حيث المبدأ.

الفيلم بالنسبة لي هو أكبر مفاجأة لهذا العام أو قل هذا العقد، إن لم يكن أفضل فيلم، فيلم يقص قصة دير وراهبات وكأنها قصة أفراد مافيا، الراهبات هنا هن طريدات من العالم الخارجي الذي أجبرهن على الأعمال القذرة أو دفعهن نحو الهاوية، فلم يكن عند معظمهن إيمان يقيني، بل إننا نجد شخصية فيليسيتا تقول صراحةً أن كل هذا قد لا يهم لكنها كرست حياتها له على كل حال، وبالطبع من الصعوبة بمكان أن يكفر المرء بما كرَس له حياته حتى وإن غاب الإيمان بشكله اليقيني المعروف عن معظم فترات حياته، وهو ما ينطبق حتى على الأهالي من خارج الدير، فلن يفقدهم إيمانهم بالكنيسة إلا فاجعة جللة مثل الطاعون ستحوَل دفة إيمانهم من الكنيسة إلى بينيديتا، وهو ما سيسري على الأسقف وفيليسيتا قرب نهايتيهما، ورغم أن الطاعون لم يضرب المدينة لأن ببساطة بينيديتا أمرت بإغلاق أبوابها فإن السبب الإيپيديمولوچي (العلمي الوبائي) لا يجب أن يجعلنا نلقي أثر بينيديتا على من حولها جانبًا، تمامًا كمثال فرانكل السابق عن چان دارك.

 

الرجل الّذي خرج من البلّاعة

قصة قصيرة كتبتها بتاريخ 23 نوفمبر 2021 خرج رجلٌ من بلاعة، نزع الوحل عن عينيه، ثم أدرك أنه يغرق في ظلام، ليس أعمى لأنه يرى بالفعل قبسًا من نو...