يتناول فيلم الرعب المنزل الليلي The Night House (2020) للمخرج ديڤيد بروكنر فكرة نوقشت في أفلام رعب عديدة، فكرة الموت الّذي «يُغَشّ» على نحوٍ ما، ثم لا يقبل بالهزيمة، فيعود لالتقاط ما سقط منه. سلسلة أفلام كاملة هي مصير نهائي Final Destination تقوم على نفس المبدأ، وهي سلسلة اشتهرت بدموية وغرائبية مشاهد الموت، دموية وغرائبية يعبران عن أي مدى قد وصل إصرار الموت على اجتلاب الساقط منه، وإلى أي مبلغ قد بلغه من الحتمية ورفض التفاوض. ظهرت تلك الفكرة في السينما في وقتٍ أبكر، في فيلم الرعب المستقل كرنڤال الأرواح Carnival of Souls (1962) للمخرج هيرك هارڤي وفيه «تغش» الشخصية الرئيسية «ماري» الموت على نحوٍ ما، حيث تنجو (؟) على نحوٍ إعجازي من حادث غرق سيارة، لتدخل بعدئذ في مغامرة غريبة، تقتطع أيامها ساعات تصير فيها غير ذات وجود، لا تُسمع ولا تُرى، مغامرة ماري في كرنڤال الأرواح تضعها مشوّشة ومنقسمة بين طرفي الثنوية الأزلية: الوجود والعدم.
مثل ماري ومثل شخصيات Final
Destination، تهرب «بيث» بطلة المنزل
الليلي من الموت بشكلٍ ما، وكعادته في القصص المشابهة سيحوم الموت رافضًا هذا
الغشّ، وسيطالب بحقّه في استعادة ما انفلت من بين يديه، يبدو الموت هنا وكما في
القصص المشابهة كيانًا واعيًا، مثل حاصد الأرواح وغيره من الرموز التشخيصية
الأنثروپومورفية لفكرة الموت كما تناولها العقل البشري في صولاته الميثولوچية، غير
أن الموت في معالجة بروكنر يختلف في أمرين، الأول أنه إلى حدٍ ما قليل الحيلة، لا
يملك التدخّل في العالم الطبيعي، قصار جهده تتمثل في وساوس وهلاوس يلقيها هنا
وهناك، أما الأمر الثاني فهو تقريبًا مربط الفرس الرئيسي في الفيلم، وهو أن الموت
لا يُقدّم بشكل مُشخَّص أو مُشيّأ وإنما يقدّم نفسه في صورة اللاشيء، العدم، الكائن
غير ذي وجود.
العدم المميّز عند سارتر
في مسلسل لعبة العروش يعود چون سنو من الموت لتسأله
ميليساندرا -الّتي اهتز إيمانها مؤخرًا- عمّا رآه «هناك» لتأتي إجابته بلا شيء،
وفي المنزل الليلي تحكي بيث عن تعرّضها لحادثة توقف خلالها قلبها لدقائق، أو
بالمعنى البيولوچي قد ماتت لدقائق، وحينما عادت راح الناس يسألونها عما رأته
«هناك»، ولتجيب بأنها «لا تتذكر شيئًا»، ثم تعترف لصديقتها كلير فيما بعد بأنها قد
كذبت، لأنها بالفعل تتذكر، «تتذكر لا شيء»، تصاب كلير كما يصاب المشاهدون بالحيرة،
فالتعبيران «لا تتذكر شيئًا» و «تتذكر لا شيء» قد يبدوان مترادفين، غير أن الثانية
تثبت التذكّر عكس الأولى الّتي تنفيه، لكن مفعول التذكر فيها (ما وقع عليه فعل
التذكّر) هو اللاشيء، تتابع بيث شارحةً: نفق ومظلم وفي آخره نور؟ لا، فقط نفق
مظلم.
يترك زوج بيث المنتحر رسالة لأرملته يخبرها فيها قائلًا
«لا شيء يلاحقك» Nothing’s after you ثم ستفرض بقية أحداث الفيلم
ارتباكًا يحيط بتلك العبارة، إذ أن بالتسليم بأن اللاشيء هو كيانٌ في ذاته سينزع
شكل الطمأنينة من العبارة، لأنها ستعني أن كائنًا بالفعل يلاحقها، كائنًا معاكسًا
للوجود كما نعرفه من حولنا ولكنه يظلّ كيانًا. في كرنڤال الأرواح تجد ماري نفسها
محاصرة برقصة العدم، رقصة جوفاء تؤديها أجسام مموّهة الوجوه لا ينطبع عليها مشاعر،
ويصوّرها الفيلم بعرض كرنڤالي راقص قاتم ومهيب، أما في المنزل الليلي فيتصوّر حصار
بيث بين ثنائية تمثل الوجود والعدم، منزلها ومنزل الغابة الليلي الّذي بُني ليكون
معاكسًا بصريًا لمنزلها، ثنائية تتصوّر كذلك في الليل ذي القمرين في المشهد
الأخير، إنّها نماذج بصرية يتبنّى فيها الفيلم تناولًا للعدم يجعله معاكسًا للوجود
-وليس محض غيابه- مقتبسًا من الفيزياء ثنائية المادة وضد المادة (اللامادة).
وإذا كان المنزل الليلي والقمر الدموي هما أداتا الحبكة
في التعبير عن العدم كمفهوم، فإن للصورة أدواتٍ أخرى، وهي تقريبًا التقنية الأبرز
في الفيلم، فمكمن الإبداع البصري للفيلم يتمثّل في صنع ظلال الأشخاص من تجاويف
ترسمها عين المتلقّي بين العناصر المكوّنة للمشهد فيما يشبه ظاهرة الپاريدوليا، سيجد
المشاهد ظلًّا لرجلٍ واقفٍ في الظلام ثم يرجع البصر فلا يجد شيئًا، أو للدقة يجد
لا شيء، وهو بالضبط ما يتناوله الفيلم عن قصد: اللا شيء.
اللاشيء المتجسّد هو انعدام ولكنّه انعدام مميّز على
نحوٍ ما وإلا ما التقطته الأعين، وقد تبدو فكرة أن يتحلّى العدم بالتميّز فكرة
شاذة في أفضل الأحوال، لكنّها بالطبع ليست سبقًا هنا. في كتابه الأشهر «الوجود
والعدم» يستخدم الفيلسوف الفرنسي چان پول سارتر مصطلحي «الوجود في ذاته» و«الوجود
لذاته»، وفي كتابها «على مقهى الوجودية» تصف سارة بكويل الفرق بينهما بأنه مثل
الفرق بين المادة واللامادة، حيث أن «الوجود لذاته» هو عدم، وتصف بكويل العدم عند
سارتر بأنه «ثقب شبيه بالفراغ في هذا العالم» وتنقل تعبير جابرييل مارسيل عن عدم
سارتر، بأنه «جيب هوائي» في الوجود.[1]
عدّد سارتر الأمثلة لشرح رؤيته للعدم الميّز أو العدم
الّذي يفرض نفسه، مثل أن تفتح المحفظة لتجد فيها 1300
فرانك، فإذا كنت تتوقّع أن تجد 1500 فرانك فإن ما يشكّل بؤرة
اهتمامك حقًّا عندئذ هو غياب الـ200 فرانك وليس وجود الـ1300، مثالٌ آخر يضربه سارتر هو موعد مع صديقه بيير في المقهى، حيث يصل
سارتر متأخرًا لينظر من حوله فيجد طاولات ومقاعد وزبائن وغيرها من الموجودات، غير
أن المميّز أو البارز هنا هو غياب صديقه بيير.
وبالتالي فإن العدم السارتري له كيانٌ مميّز أكثر من
موجوداتٍ كُثُر، مما حتى أثار نكتةً مُحوّرة عن نكتة من فيلم نينوتشكا Ninotchka (1939) تنقلها سارة بكويل في كتابها -بعد اعتذارها
للمحوّر الّذي لم تتمكّن من تقصّيه- حيث تقول النكتة أن سارتر قد دخل إلى المقهى وطلب
من الجرسون قهوة بالسكر بلا كريمة فيجيبه الجرسون: آسف سيدي، لقد نفدت الكريمة، هل
أحضر لك قهوة بالسكر بلا حليب؟ وتعمل النكتة على وضع الغياب أو الانعدام في حُلّة شبيهة
بالوجود، وتتعامل معه بشكلٍ إيجابيٍّ حاضر وتعدّه مثيرًا للأزمات الّتي يمكن أن
تثيرها الموجودات، بما يتماشى مع تعريف سارتر للعدم، ومن رؤيته له ككيان حاضر
ومميّز، كجيب هوائي في الوجود[2]، لربما كان لفيلم المنزل
الليلي أن يروق لسارتر لو شاهده، وكان ليضيف الفيلسوف الفرنسي حينها الفراغ البارز
بين الباب والخزانة في بيت بيث لقائمة أمثلته المفضّلة عن العدم المميّز.
من شيئية المعدوم إلى الماهية والوجود
إن العدم كمفهوم يفرض نفسه على العقل البشري منذ بواكير
مغامراته، ففي الميثولوچيا الإغريقية نجد العدم والفوضى كايوس khaos، وهي الحالة الّتي سبقت الخلق، سترفض الافتراضات العلمية هذا
المفهوم فيما بعد حينما ستختلق مفهوم الأثير، وبالتالي لا عدم، لكن سيتهاوى وهم
الأثير لاحقًا مع تقدم الفيزياء في أواخر القرن التاسع عشر، سيعود البشر حينها إلى
التصديق في العدم، في مكانٍ ما في هذا الكون لا توجد فيه الأشياء، ثم ستعود
ميكانيكا الكم لتحدث شرخًا في هذا التصديق مرة أخرى، بإحداثها لمفاهيم مثل الفراغ
الكمومي Quantum Vacuumوالجسيمات الافتراضية Virtual Particles
الّتي تضع العدم المطلق في مهب التشكيك.
إن تناول العدم في الأدب والسينما يعد أمرًا عويصًا إذا
لاحظنا الأزمات الّتي يشكّلها التناول اللغوي لفكرة العدم، فإن تعبيرًا مثل «العدم
موجود» أو حتى «العدم غير موجود» لا يمكن استساغته استساغة تامّة، فالمشاكل الّتي
تصدّرها مثل تلك التركيبات لا يمكن تجاهلها، فهي -على أقل تقدير- تشير بوجود عدّة
مستويات من الوجود.
في البيئة العربية بدأ تناول هذا الصنف من المشكلات في
كلام المعتزلة، الّذي يعد الوالد الشرعي أو السلف المباشر للفلسفة الإسلامية، حيث
ناقش المعتزلة ما أطلقوا عليه شيئية المعدوم، وفيه يقول الجبائي «الجوهر يكون
جوهرًا في حالة عدمه»[3]، سيميّز فيما بعد ابن سينا بين
الماهية والوجود، وسيضرب في هذا مثاله المفضّل عن ماهية المثلث، فالمثّلث له ماهية
كمفهوم هندسي، لكنّه غير موجود، فلا علاقة بين المثلث كشكل هندسي وبين رسمه على
الورق، وهكذا فإن الماهية تسبق الوجود.
ومن قبل ابن سينا، يورد الفارابي في كتابه «الحروف» الشيء
ويصفه بأنه «كل ما له ماهية كيف كان، كان خارج النفس أو كان متصوّرًا على أي جهة
كان» أما الموجود فهو «ما له ماهية خارج النفس» وبهذا يكون على حد قول الفارابي
«الشيء أعمّ من الوجود» وأن «ما ليس بشيء يُعنَى به ما ليست له ماهية أصلًا لا
خارج النفس ولا في النفس». وقد لا يتماشى النسق العربي -الّذي تبنّاه الفارابي على
الأقل- مع أنساق اللغات الأخرى في تحميل مصطلحاتها بذات المعاني الأنطولوچية، فالفارابي
نفسه يشير إلى فهم الفيلسوف الإغريقي برمانيدس بأن «غير الموجود ليس بشيء ولا
ماهية له»[4]، وقد تسبّب تعدد الأنساق
الاصطلاحية في اضطرابٍ ملحوظ للترجمات العربية للمباحث الفلسفية والأنطولوچية، فعنوان
كتاب سارتر الأشهر L’etre et Neants قد
يُترجم إلى «الوجود والعدم» كما هو شائع وكما في نسخة عبد الرحمن بدوي، وقد يُترجم
إلى «الكينونة والعدم» كما ذهب نقولا متيني.
إذن تعدّدت الأنساق الأنطولوچية المختلفة، وبالتالي سيحدث التناول الأدبي والفني -الّذي
يتسم أصلًا على خلاف التناول المنطقي والفلسفي بحرية الحركة بين الألفاظ والصور
الفضفاضة- اختلافًا أكبر، في فيلم المنزل الليلي لا شك في أن اللاشيء له ماهية
واضحة، وفي مثال آخر هو رواية الأطفال الألمانية «قصة بلا نهاية» The Never-ending
Story (تحوّلت إلى فيلم ألماني عام 1984) يخلق الكاتب مايكل إنده وحشًا يسمّيه اللاشيء The Nothing مستوحىً جزئيًا من إلهة الفوضى الإغريقية، يصوّره بصورة عاصفة
سوداء تلتهم الأرض الخيالية «فانتازيا» لأن الناس صاروا يفتقدون الخيال وما عادوا
يؤمنون بها، المثير للاهتمام أن تجسيم اللاشيء في كيانٍ لم يمنع أنه هنا ليلتهم ما
سقط من مخيّلة الناس، أي بتعبير الفارابي ما ليس له ماهية لأنه لا خارج النفس ولا
داخلها، تذكّرنا تلك الآلية بعبارة تكرّرت كثيرًا بصياغات مختلفة وتعدّد من تُنسب
إليهم: أنت تعيش ما دُمت في ذاكرة آخر شخص
يتذكّرك.
الزيرو كوپولا والميتافيزيقا العربية
في المشهد الأخير من المنزل الليلي تُنقَذ بيث من القارب
الّذي انتحر فيه زوجها والّذي كادت تنتحر فيه هي الأخرى إن انصاعت لوساوس اللاشيء،
وحينما يلاحظ جارها أنّها تحدّق في القارب يخبرها مستعجبًا بأنّه لا يوجد فيه شيء
أو يوجد لا شيء There’s nothing! فتجيبه بأنها تعلم ذلك، في
إشارة طبعًا إلى الحيلة الّتي يتبعها الفيلم من البداية، والّتي تعتمد بشكل أساسي
على فعل الكينونة Be الّذي يفتح الباب لهذه
المفارقات الّتي تجعل اللاشيء كائنًا، ربما تكون تلك العقبة في طريق تناول الفيلم
بلغة لا تحوي فعل الكينونة مثل اللغة العربية، لكن ما الّذي يعنيه أصلًا فعل
الكينونة؟
قد يُعرّف فعل الكينونة على أنّه واسطة copula بين موضوع ومحمول وينتهي الكلام هنا، إنّه مثل علامة «=» في المعادلات
الرياضية، وبالتالي لا معنى له في ذاته ولا أهمية وإنما تكمن الأهمية في موضوع
العبارة أو القضية المنطقية ومحمولها، وقد لا تفيد هذه النظرية كثيرًا في تفسير
ظهور فعل الكينونة في اللغات الّتي يظهر فيها، وسيساهم هذا في عريضة دفاع
المدافعين عن اللغات الّتي لا يظهر فيها، أما محاولات تحرّي معنى للكوپولا/فعل
الكينونة فلعل أهمها محاولة القديس توما الأكويني في نظريته الّتي تقول بأن
الواسطة تفيد بوجود المحمول في سياق الانتساب للموضوع، فعبارة مثل «سقراط إنسان» Socrates is man تفيد بوجود «إنسانية سقراط»، قد لا تعمل هذه النظرية بكفاءة حينما
يكون المحمول أصلًا يمثّل غيابًا من نوعٍ ما، مثل «سقراط أعمى» Socrates is
blind فالعمى -عند الأكويني نفسه- ليس
بكائنٍ، وإنما هو فقط غياب للبصر.[5]
وعن غياب فعل الكينونة في اللغة العربية يرجع الروائي
المصري فتحي إمبابي ذلك الغياب إلى كون الثقافة العربية لم تكن سوى «وعي جماعي لم
يتعرف على الأفعال الكبرى الفيزيقية للحضارات القديمة» واكتفى فقط بثقافة النبأ أو
الخبر فـ«السماء ممتدة» هي مجرّد مبتدأ وخبر، وليست جوهرًا (موضوعًا) ومحمولًا
وبينهما فعل كينونة[6]. في الجهة الأخرى يرى المدافعون
عن اللغة العربية في غياب فعل الكينونة فلسفة تامّة بذاتها، مثل عثمان أمين الّذي
قال بأن العربية ترى الكينونة من نافلة القول، وأن مجرد القول يثبت الكينونة فلا
حاجة لذكرها، أو مجرد ورود القول في النفس يثبت الماهية/الإنّية بتعبير فلسفة ابن
سينا، ويشرح عادل مصطفى ذلك فيما يسميه «الوجود الذهني» الّذي هو على الأغلب
الماهية، والّذي يثبت في كل قضية صادقة كانت أو كاذبة.[7]
وبعيدًا عن تلك الجولات من الصدام الفكري، لا يمكن تجاهل
أن غياب فعل الكينونة وضع العربية في مأزق على أقل تقدير عندما أرادت استيعاب
الفلسفات المختلفة، وقد لاحظ أبو الفلسفة العربية الكندي هذا فعاد لاستخدام لفظٍ
مهجور هو «الأيْس» وجعله في مقابل «الليس»، فالله عند الكندي هو «مؤيس الأيسات عن
ليس»[8] أي -بلغة الوجود المعتادة-
واجد الموجودات عن عدم، مع الوضع في الاعتبار الأزمات الّتي قد تنتج إذا استخدمنا
ألفاظ الأيس والوجود والليس والعدم بالتبادل، وهي الأزمات الّتي لولاها ما لجأ
الكندي لاستعادة لفظٍ قديم من الأصل. ولربما يشير لفظ الأيس المهجور ذاك
إلى ميتافيزيقا عربية قديمة مندثرة، تلاشت من سجلات التاريخ كما تلاشى قطاع كبير
من ميثولوچيا وثيولوچيا العرب قبل الإسلام.
لا يمكن كذلك الاكتفاء بوصف غياب فعل الكينونة على أنّه
انتصار فلسفي أو فتح ميتافيزيقي، لأن فعل الكينونة في لغة كالألمانية مثلًا كان نقطة انطلاق فلسفة من الأكثر تأثيرًا في التاريخ الحديث مثل فلسفة هيدجر، الّذي
يبدأ كتابه الأهم «الكينونة والزمان» بعبارة موبّخة لمن اعتادوا ذكر فعل الكينونة
دون أن يلحظوا أنه صار مدعاةً للحيرة، ويتابع هيدجر مستنكرًا «نقول السماء تكون
زرقاء وأنا أكون سعيدًا وكأن تلك الكلمة الصغيرة في المنتصف [فعل الكينونة] بلا أي
أهمية» وستعمل فلسفة هيدجر على الفرق الأنطولوچي بين الكائنات beings والكينونة Being (اعتُمد استخدام الحرف الكبير B للتفرقة بين المصطلحين في الإنجليزية) ثم سينتقل هيدجر بعد ذلك
إلى فكرة الوجود الإنساني أو «الوجود هنا» أو ما سيسمّيه بالألمانية الدازاين Dasein.[9] إنها فلسفة هائلة وضخمة كما نرى، بدأت حينما تأمل هيدجر في تلك «الكلمة
الصغيرة».
إن غياب فعل الكينونة في اللغات هو ظاهرة يسمّيها
اللغويون صفر كوپولا Zero Copula، وعلى ما يبدو لم تكن لفلسفة
هيدجر عن الكينونة أن ترى الوجود (للمفارقة!) لو كانت تلك الظاهرة هي الأساسية في
اللغة الألمانية، أو لو كان هيدجر ناطقًا بلغة أخرى تهيمن فيها تلك الظاهرة، لكن
حتى في اللغات الّتي تعتمد بشكل جوهري على فعل الكينونة يمكننا رصد ظاهرة الزيرو
كوپولا في مناحٍ مختلفة لا سيما مع اللغة العامية أو لغة الأطفال، مثل صبي المدير
الّذي اكتشف موت مستر كارتز في رواية قلب الظلام، فصاح Mistah Kurtz, He
Dead، إنها عبارة موحية لن يتمكّن
من الإلمام بكل إيحاءاتها أبرع المترجمين للعربية، والسبب واضح.
عم نتحدث عندما نتحدث عن الموت؟
يتحدث فيلم المنزل الليلي عن الفقدان بشكل أساسي، ففي نهايته
ينتشل الجار والصديقة بيث من قارب العدم الّذي قد يمثّل مشاعر الفقد، وهو من
بدايته عن أرملة تختبر شعور الفقد لموت شريك حياتها، وبينما تصارع العدم أو
اللاشيء -فعليًا- ترى في كل الموجودات حولها عبثية وانعدام قيمة، مثل درجة الطالب
الّذي أتت أمه شاكيةً ظلمًا تعرّض له، لقد أنتج الموت فقدًا قد طعن في معاني كل
الأشياء في منظور الفاقد.
غير أنّ هذا الّذي أحدث صدعًا في المعاني لم يكن الموت بشكل
مباشر وإنما الفقد، وقد نلاحظ تلك الظاهرة، أننا عندما نتحدث عن الموت لا نتحدث عن
الموت، وإنما نتحدث عن أشياء أخرى، عن النتائج الاجتماعية والنفسية للموت، عن
التناول الميثولوچي للموت وما بعده، عن الخوف من الموت، لكننا من الصعب أن نرصد
عبارة تتحدث عن الموت، الموت يسبّب أزمات نفسية واجتماعية وأحيانًا اقتصادية، لكنه
يسبب أزمات لغوية أيضًا.
ربما السبب في هذه الظاهرة هو أن اللغة ستحتاج حينها أن
تهبط إلى مستوًى عسيرٍ من التجريد، إن اللغة ليس بإمكانها في النهاية أن تكون لوحة
تجريدية أو سوناتا موسيقية إلا بمقدارٍ ما من المجاز، وهو ما ينطبق حتى على اللغة
السينمائية، ولأن الميثولوچيا وليدة اللغة، فقد أتت كل التناولات الميثولوچية
للموت أو -بشكل أعمّ- للمصير النهائي، دافعةً إيّاه عبر بوابة الخلود، فالأديان
والميثولوچيا والأدبيات بشكل عام تحدّثنا عن الخلود في النعيم أو الجحيم، عن سيزيف
وصخرته، عن الهولندي الطائر وسفينته، عن إبليس الّذي نُظر إلى يوم الوقت المعلوم،
وعن يونس لو لم يكن من المسبّحين، ونادرًا ما تحوم الأدبيات باختلافها حول العدم، ربما
لأن العقل الإنساني -وتباعًا لغته- لا يمكنه استيعاب مفهوم اللاشيء استيعابًا
تامًّا، إن العدم سيتطلّب مستوًى ما من الوجود كي يسكن الكلمات، وهو ليس بالمجهود
العفوي على الإطلاق، لذلك يبقى الخلود هو كل ما يمكننا تناوله، وتبقى لفظة «إلى
الأبد» الّتي تأتي في نهاية القصة هي ما تحمل الرهبة إلى النفوس، لأنها على قدرٍ
من الوجود، حتى وإن دهست كل المعاني في طريقها، إن ثنوية الفناء والخلود يمكن أن
نراها على صورة أكبر في الفيزياء الكونية، في سيناريوهين من السيناريوهات المحتملة
لموت الكون هما الموت الحراري والانسحاق العظيم، الأول يشير إلى خلودٍ فارغ من
المعنى، كل الأحداث قد حدثت بالفعل، وكل الممكنات قد وُجدت، ولم يعد شيءٌ ليتبقى،
لقد توقفت الأحداث عن أن تحدث والأشياء عن أن توجد، أما الثاني فيشير إلى عدمٍ
يعود إليه الوجود كما بدأ، ولا يتبقى حينئذ أي شيء يمكن تناوله، لأن من الأصل لن
يوجد «حينئذ».
وصف الفيلسوف الكبير صاحب المدرسة الفلسفية المُسماة على
اسمه «إبيقور» الموت بعبارة شهيرة أعدّ لها الشاعر محمود درويش صياغة شعرية رنّانة
«الموت لا يعني لنا شيئًا، نكون فلا يكون، الموت لا يعني لنا شيئًا، يكون فلا
نكون»[10]، ربما عبارة إبيقور/درويش هي
من الحالات النادرة الّتي تتحدّث فيها عبارة عن الموت في ذاته، غير أننا لا يمكن إنكار
أن العبارة فقط تحوم حول هوّة هائلة في نسيج الوجود ولا تقتحمها، ولكنّها من أفضل
ما حققته اللغة عامةً في هذا الشأن. محاولة أخرى فعّالة إلى درجة التروما يأتي بها
الشاعر فيليپ لاركين في قصيدته «أغنية الفجر» Aubade والطريف أنه يبدو فيها وكأنّه ينتقد عبارة إبيقور السابقة
تحديدًا، فيقول «وهراء خاص يقول بألّا عاقل ينبغي أن يخاف ما لن يحسّه، أنتم لا
تفهمون، هذا هو ما نخافه، لا ضوء، لا صوت، لا لمس، لا مذاق، لا شيء لتفكّر فيه، لا
حب ولا روابط ننشئها، إنه التخدير حيث لا يعود منه أحد». الروائي البرتغالي الكبير
والحائز على نوبل خوزيه سارماجو يسلك المسلك التشخيصي للموت في روايته «انقطاعات
الموت» غير أن الرواية لا يمكن إنكار أنها تشق عباب الميتافيزيقا بكل شجاعة، ومما
يلفت النظر أن سارماجو قد فرّق فيها بين موت الكائنات morte والموت Morte باستخدام حرف M الكبير، أي أن نهج هيدجر -أو نهج مترجميه- مع الكينونة، هو نفس
النهج الّذي يأتي سارماجو ليتبعه مع النقيض التام، كما لو أن الكاتب البرتغالي قد
خلق في روايته منزل الغابة الليلي المناقض للمنزل الوجودي الّذي أنشأه الفيلسوف
الألماني.
لم يكن تناول الفيلم للموت أو للاشيء على مبلغ الكمال من
التجريد، فالفيلم في الأول والآخر صورةٌ وصوت، وهي أدوات لا يمكن التنصّل منها
حينما نتحدث عن اللاشيء، فسيظل في أفضل الأحوال بصيصٌ من الشيء ينسكب في رؤيتنا
للاشيء، لكن السينما بشكل عام لن يتحقّق سعيها إلى عالم المجردات على نحوٍ تام، وربما
يعد إنجازًا أنها خلقت حكاية، لم يكن الخصم الرئيسي فيها هو الخلود الداهس لكل
المعاني، وإنما كان.. لا شيء.
مصادر
[1] على مقهى الوجودية،
سارة بكويل، ترجمة حسام نايل، الفصل السابع: الاحتلال والتحرير.
[2] نفسه.
[3] المسائل في
الخلاف بين البصريين والبغداديين، أبو رشيد النيسابوري، قسم الجواهر، مسألة في أن
الجوهر يكون جوهرًا في حال عدمه.
[4] كتاب الحروف، أبو نصر
الفارابي، الفصل السادس عشر: الشيء.
[5] Aquinas’ Theory
of the Copula and the Analogy of Being, Appeared in vol. 5 of Logical Analysis
and History of Philosophy (2002)
[6] فتحي إمبابي، تحرير اللغة – تحرير العقل وإعادة
منهجيته، قضايا فكرية، كما نقلها عادل مصطفى في كتابه مغالطات منطقية: الطريق
الثالث إلى فصحى جديدة، الفصل التاسع: مزايا العربية، القسم السابع: غياب فعل
الكينونة.
[7] فلسفة اللغة العربية، عثمان
أمين، نقلها عادل مصطفى في نفس المصدر السابق.
[8] الكندي، رسالة في الفاعل الحق الأول التام والفاعل على الناقص
الّذي هو بالمجاز، نقلتها زينب عفيفي في كتابها فلسفة اللغة عند الفارابي، الفصل
الثالث: المصطلح الفلسفي عند الفارابي ودلالته اللغوية، القسم الأول: تطور المصطلح
الفلسفي حتى الفارابي.
[9] الكينونة والزمان، مارتن هيدجر، مقدمة: في عرض السؤال عن معنى
الكينونة.
[10] العبارة في قصيدة لمحمود درويش بعنوان: لم يسألوا: ماذا وراء الموت؟


