test

الخميس، 7 مايو 2026

الرجل الّذي خرج من البلّاعة



قصة قصيرة كتبتها بتاريخ 23 نوفمبر 2021



خرج رجلٌ من بلاعة، نزع الوحل عن عينيه، ثم أدرك أنه يغرق في ظلام، ليس أعمى لأنه يرى بالفعل قبسًا من نور في مرمى بعيد، ولكنه فقط غارق في ظلام، تلمس جسده وأعضاءه فأدرك أنه عارٍ تمامًا، هو لا يذكر أي شيء، لا اسمًا ولا سنًا ولا تجربة مر بها ولا ذكرى عاشها ذات مرة، أيكون مولودًا حديثًا وهذه الظلمة هي ظلمة الرحم وهذا النور هو مخرجه؟ أهذا هو ما يشعر به الجنين في آخر لحظات يقضيها في أحشاء أمه؟ لكن سرعان ما طرد هذه الفكرة لأنه وإن كان لا يتذكر أي خبرة أو تجربة فهو يدرك مفاهيم الأشياء، يعرف الظلام والنور والعري ومفهوم الخبرة أو التجربة، ويستطيع تسمية أعضاء الجسد بسهولة. قرر الرجل ألا فائدة من التفكير في المجردات وعزم على النهوض، تحسس طريقه تجاه النور حاجبًا أعضاءه بقبضة يده، وصل إلى ما أدرك بمساعدة اللمس وما يصل إلى تلك البقعة من نور أنه شيءٌ مثل دُشٍ وصنبور، فتح الصنبور فانهمرت المياه، وقف تحتها واغتسل، ثم ما لبثت أن تكونت بركة مياه من أسفله، بصر فيها جانبًا من وجهه، إنه ليس رث المنظر تمامًا، غادر البركة والدُش حتى وجد شجرة، معلق عليها لباسٌ بسيط، أيكون ثوبه؟ ارتداه على أي حال، لم يكن منضبطًا تمامًا على مقاسه لكنه أدى الغرض بأريحية كافية، توغل أكثر في النور حتى دخل حارة سكنية تتوسطها بناية قصيرة ومقهى شعبي، وحينما دخل المقهى وجد رجلًا ضخمًا يرتدي جلبابًا ويدخن الشيشة يعتلي مكتبًا على ربوة إسمنتية عالية خلف الزبائن، عرف في ثوانٍ أنهم يكنَونه بالمعلَم، وقبل أن ينوي أي نية وجد المعلَم يستدعيه بإشارة من يده.

وجد المعلَم عطوفًا متفاهمًا، وحينما أخبره عن خروجه من البلاعة ونسيانه لماضيه لم يتفاجأ المعلَم بل أخبره أن الحارة كلها تغط في بحر من نسيان، وأن العالم ما هو إلا بلاعة كبيرة يغوص الجميع في وحلها، وأن عليه أن يجرَب ويعيش وسط الحارة وسيجد أن أهلها لا يميَزون قديمهم من جديدهم، وأنهم بالكاد سيلاحظون ساكنًا جديدًا، عرض عليه المعلَم بعد حوار مقتضب أن يعمل ويسكن في المقهى، وافق الرجل بطبيعة الحال فلم يجد بديلًا أفضل من هذا الاقتراح، وهكذا ابتدأ العمل كعامل نصبة يعد القهوة، برفقة ثلاثة عمال في المكان قليلي الكلام بل أن أحدهما أخرس بالمعنى الفعلي، غير أن المعلَم تطرق لمسألة الاسم واستأذن الرجل ليختار له اسمًا، وبالفعل أسماه المعلم على اسم ابنه الذي مات في طفولته، عوَاد.

في صباح يومٍ تالٍ رأى ليلى، ابنة المعلَم، امرأة بهية المظهر، لا تناسب لا المقهى ولا الحارة، ولما أحس بأنها بادلته نظرة حدَث المعلم عنها، فتحدث المعلم بطلاقة زائدة، أخبره أنها في ثلاثينيات عمرها، وأنها تزوجت مرة ولم يدم زواجها، هي بلا شك أجمل نساء الحارة والحارات المجاورة لكن لم يهبها الله نعمة الإنجاب. ذهب عوَاد بخياله بعيدًا، فبالطبع هو لا يعنيه الإنجاب في شيء، إنه فعليًا طفل، مولود من بلاعة منذ بضعة أيام، صفحة بيضاء بلا تجارب ولا خبرات، ولا يعرف أكثر من جوالات البُن وغلاية المياه الَتي يعمل عليها، فما يجعل طفل في حاجة إلى طفل آخر؟ سيكون زوجًا مثاليًا لليلى إن رغب المعلَم أو وافق، وبعد أقل من أسبوعين من خروجه من البلاعة كان قد صار زوجًا، قبل المعلَم وعقد قرانه على ليلى عرفيًا لأنه لا يملك أوراق هوية، وحينما سكن بيتًا في البناية التي تعتلي المقهى برفقة زوجته أحس وأنه قد ملك الدنيا بأسرها.

عاش عوَاد مع ليلى أيامًا هانئة، وكما تخيَل فقد كان زوجها وطفلها في آنٍ واحد، علمته الأحرف والأرقام والأشكال الهندسية ومبادئ العلوم، وغمرته بحبَ وحنان جعلاه يتساءل إذا ما كانت الجنة تحتوي على بلَاعات، وبما أنه لم يعرف ولم يعرفوا له يوم ميلاد فقد صار خروجه من البلاعة يوم ميلاده، أما ليلى فقد كان لها يوم ميلاد معروف بالطبع، وحينما أشرف هذا اليوم على المجيء قرر أن يبتاع لها هدية.

راتب نصف شهر هو ما أنفقه ليشتري ذلك الخاتم الفضي، وحتى لا يفسد المفاجأة لم يبق خارج الحارة مدة طويلة، رغم أنه شعر بفضول عارم لاستكشاف المدينة والعالم الخارجي، لكنه أحجم فضوله لعدم إفساد المفاجأة من ناحية، وخشية أن يوقعه عدم امتلاك أوراق رسمية في أزمة ما من ناحية أخرى، عاد مسرعًا في النهاية إلى القهوة، خبأ الهدية في مكان ما، ثم شرب فنجانًا ليدعم تركيزه فيما بقى من اليوم، وحينما انتهى اليوم كان قد نسي المكان الذي خبأ فيه الهدية، وحينما سأله الأخرس عن ماذا يبحث ليساعده وجد أنه نسي ما الهدية أصلًا، لحسن الحظ جلب الأخرس له العلبة والخاتم بداخلها، لكن عوَادًا أصيب بالذعر حينها، فهو لا يخاف شيئًا أكثر من النسيان، فلا الموت ولا الزلازل ولا البراكين ولا الأوبئة ولا أي شيء غير النسيان يقدر على أن يعيده صفحة بيضاء إلى البلاعة، فعزم على ألا يلقي بهذا الأمر جانبًا.

شرع عوَاد في أخذ ملاحظاته، وتذكر كلام المعلَم عن أهل الحارة الذين يعيشون في بحر من النسيان، وبدأ يدوَن ما يرى، إنهم سكارى في وضح النهار، أجساد متحركة بلا ملامح، يتخبط بعضهم في بعض فلا ينفعل هذا ولا يعتذر ذاك، كرات بلياردو صماء على طاولة كبيرة، لا يلاحظون أحدًا ولا ينادون على أحد، لا يحبون ولا يكرهون ولا يعيرون لأي أمر اهتمامًا، هم مجرد صور ثنائية الأبعاد بلا أي عمق، مشغولات جرافيكية لم يحاول صانعها بذل أي مجهود في جعلها تنبض بالحياة، يدورون في مدارات ثم يلقون بأجسادهم شبه الميتة على كراسي القهوة، فيطلبون فنجانًا أو اثنين يدعمهم في إكمال يومهم ومتابعة مداراتهم العبثية، وهنا ومضت في رأسه الفكرة، القهوة، جوالات البن التي يجلبها المعلَم منفردًا من مكانٍ ما خارج الحارة، عليه أن يدرس الأمر جيدًا ليتأكد إذا كان ثمة علاقة بين حبوب البن وبحر النسيان.

أحضر قلمًا وأوراقًا وراح يخط فيها كلمات وأشكالًا هندسية، ثم يخبئها ويحاول سرد ما قد خطَه عليها دون النظر، وحينما نجح قرر أن يعيد التجربة بعد شرب فنجانٍ من القهوة، وهنا بالفعل بدأ يتلعثم ويتخبط، ثم قرر أن يعيد التجربة بعد تجرّع فنجانٍ ثانٍ، وهنا حدث الأسوأ، لم ينس ما في الورقة بل نسي الورقة ذاتها، ولولا أن الأخرس حملها إليه في آخر اليوم ليفتحها ويجدها مُعَنونة بـ «اختبار النسيان، التجربة الثالثة بعد فنجانين من القهوة» لما أفضت إليه بأي معلومات عمَا كان يفعل، المهم أن عند هذه اللحظة لم يعد ثمة مجالٌ للشك، وقرر أن يواجه المعلَم.

البن هو مادة ترابية تخرج من مناجم خارج الحارة يملكها المعلَم وقد ملكها أسلافه من قبله، لها ميزة جبارة إذ أنها تُحال بُنًا بعد مزجها بنزر يسير من البن، إنها مكاسب طائلة من لا شيء، فهي بحر ترابي لا ينتهي، بحر من النسيان كما أسماه مرة متعمدًا أو غير متعمد، هذا ما أخبره به المعلّم بنفسه حينما واجهه، وهكذا تحدث المعلّم بكل هدوء أعصاب، أخبره أنها مادة غير ضارّة على الإطلاق، وإنما فقط أهل الحارة غير مؤهلين لخوض غمار الحياة بعُمق ووعي أكبر مما يطيقونه، ومن هذا المنطلق فالقهوة تساعدهم ولا تؤذيهم بتاتًا، فكَر عواد في الظلام والبلاعة، هو لا يريد هذا المصير مجددًا، ولا يريده لأحدٍ كان، سخر المعلَم حينها نافيًا تساوي الأمرين، فالقهوة لا تؤدي أبدًا لفقدان الذاكرة التام، فهذا لا يحدث إلا حقنًا مباشرًا، أما احتساء القهوة فليس هكذا على الإطلاق، دعَم المعلَم حجته بأنه هو شخصيًا يشرب من القهوة، فنجانًا يوميًا، ثم يأتي يوم كل أسبوع يحتسي فيه فنجانين، هذه هي الكيفية التي تسير بها الحياة، وها هو ينعم بصحة عالية على بوادر الستين، ولم ينس يومًا اسمه أو تاريخ ميلاده أو ابنته ليلى، وقطعًا لم يخرج يومًا من بلاعة، وباعتراف المعلَم بأنه نفسه يشرب القهوة خطرت في رأس عوَاد خاطرة، إذ أن بهذا الاعتراف يبقى الإنسان الوحيد في هذه الحارة الَذي لا يشرب القهوة هو ليلى، فهي لا تحب القهوة من الأصل، لذا فلا عجب أنها الشخص الوحيد الَذي غمره بحب وحنان ورعاية، وعاملته كالحبيب والطفل في آنٍ واحد، فكر في أن هذا ما سيحدث للجميع لو توقف أهل الحارة عن شُرب القهوة، سترتسم ملامحهم، وتعود أرواحهم إلى أبدانهم المتصلبة المتصلدة، سيحبون ويكرهون ويخوضون التجارب الروحية، أزادته تلك الفكرة مقتًا جمًا تجاه المعلّم وقهوته، هدده بأن يتوقف عن جلب تراب النسيان ذاك وإلا سيبلغ الشرطة، هدّده المعلم بعدم امتلاكه أوراق هوية لكنه لم يهتم، استعطفه المعلّم بابنته التي هي زوجته لكنه أجاب بأنه يفعل هذا لأجلها تحديدًا، أمسك عوَاد سماعة الهاتف وهم بالاتصال بالشرطة، لكن وخزة فاجأته عند عنقه، استدار ليجد وجه ليلى الفتّان بملامح متصلّبة، غرق في عينيها ودارت به الأرض، أهذا هو ما يشعر به المرء حينما يموت؟

عاد المعلّم إلى القهوة بعد إنجاز المهمة، وجد ليلى جالسة على مكتبه فوق الربوة الإسمنتية، سألته بنبرة استهزاء إن كان قد نسي تعليق الثياب على الشجرة، فهذا سيكرر المرة الّتي دخل عليهم فيها عاريًا تتدلّى أعضاؤه، امتعض المعلّم من سخرية ابنته، واتهمها بالتسرّع هذه المرة، ربما لأن في المرة السابقة كان قد رضي عوّاد بالأمر فترة لا بأس بها من الزمان حتى وجد أحد الزبائن قد نسي ابنه وخمّنه طفلًا متسوّلًا يطارده، دافعت ليلى عن نفسها بأنها قد فعلت الصواب، ذكرته بالمرة الّتي اتصل فيها بالشرطة بالفعل وسبب هذا مشكلة كبيرة، وذكرته بالمرة الّتي يخشى المعلم مجرد تذكرها، حينما قيّده عواد في كرسيه وأصر على أن يفرغ كل جوالات البُن في فمه، ولم ينقذه منه سواها هي وحقنتها، هاجمها المعلّم مذكرًا إياها بالمرات الّتي وافق فيها عوّاد على الأمر وارتضى به ومع ذلك انتهى بها المطاف بحقنه، دافعت عن نفسها بأنه في تلك المرات كان قد تحوّل إلى وحش، يضربها ويغتصبها في معظم الليالي وبشكل لا يطاق، لكنها لم تستطع الدفاع عن نفسها حينما ذكرها المعلّم بالمرة التي جرت فيها الأمور على ما يرام على كل الأصعدة لمدة طويلة ثم حقنته بالرغم من ذلك فقط لأنها وجدت حياتها هكذا قد صارت مملة ومدعاة للضجر، ثم ذكرت ليلى أباها في المقابل بالمرة التي لم يكتشف فيها عواد الأمر أصلًا ومع ذلك قد أصر على حقنه، لكن المعلّم صاح هنا، لقد أراد عواد حينها تأسيس طريقة صوفية في الحارة وراح يدعو الأهالي إليها، بعد أن رأى أحلامًا من حيواته السابقة.

وبينما هم على هذا الجدال دخل زبونٌ إلى القهوة، قام المعلّم ليعد له القهوة بنفسه، ثم نبّه ابنته إلى وجوب رحيلها لأنه يريد الجلوس على مكتبه فوق الربوة الإسمنتية، ليستقبل عوادًا حينما يعود، فعوّاد دومًا ما يعود.

تمت

 


الرجل الّذي خرج من البلّاعة

قصة قصيرة كتبتها بتاريخ 23 نوفمبر 2021 خرج رجلٌ من بلاعة، نزع الوحل عن عينيه، ثم أدرك أنه يغرق في ظلام، ليس أعمى لأنه يرى بالفعل قبسًا من نو...