قصة قصيرة كتبتها بتاريخ 22 نوفمبر 2021
عاد العجوز من المرحاض وجلس إلى مكتبه دون مساعدة من الابنة الشابة التي اعتاد واعتادت أن تساعده في معظم أعماله، غير أنه بين حينٍ وآخر يؤدي بمفرده بعض الأعمال التي تثبت لها ولنفسه قبلها أنه لا يزال ينعم بسلامة بدن واستقلالية من العجز وذهن لا يأكله خرف. بعد أن أتم جلسته فتح دفتره مجددًا ليجده وقد أوشك على الانتهاء، فأزاد ذلك من رغبته في أن ينهي القصة عاجلًا غير آجل، القصة التي توقف منذ زمن عن الاهتمام بجودتها أو التأكد من أنها تلبّي الحد الأدنى من المعقولية على الأقل.
عاد ليقرأ ما قد كتبه مؤخرًا بخصوص الكاپتن الذي استطاع إيقاف
عبوة نووية من الانفجار إثر محاولة جديدة من المنظمة التي تخطط للاستيلاء على
الحكم بأي ثمن مستغلة الوضع الراهن وغرق العالم في وباء ومجاعات وحروب وحشية، وقد
توقفت الحكاية المكتوبة حينما وجد الكاپتن رسالة استدعاء من الدكتور، والدكتور هو
الاسم الحركي لرئيس قسم الأبحاث الخاصة في جهاز المخابرات الَذي يعمل الكاپتن
لصالحه، وهنا أخذ العجوز قلمه وراح يسطر ما ينبغي أن يكون آخر أحداث تلك الرواية
الملحمية الضخمة.
لم يدرك الكاپتن فيما أراده الدكتور لكنه نفذ الرسالة على كل
حال، وحضر أمام الدكتور في مكتبه في الموعد المحدد، صمت الدكتور فترة أطول من
اللازم، لطالما رآه الكاپتن سريع المبادرة في اللقاءات الرسمية فلم لا تسعفه
الكلمات هذه المرة؟ نطق الدكتور أخيرًا بسؤالٍ غريب نوعًا ما.
-
هل تعلم يا كاپتن من هو العدو؟
لم يفهم الكاپتن هذا السؤال لكنه أجاب.
-
المنظمة بالطبع.
-
لا، المنظمة مجرد لعبة لا تعلم أنها لعبة.
-
إذن تقصد العدو الخارجي، الإمبراطورية، هم من يحركونهم بالطبع!
-
لا، هم أيضًا لعبة، ونحن أيضًا لعبة.
-
أنا لا أفهم، نحن لعبة؟ من يكون اللاعبون إذن؟! ومن العدو
الحقيقي؟ طمع الأجيال السابقة واحتكارهم للموارد وما نتج عنه من نزاعات عالمية؟
الحكام والنظم السياسية؟
-
بل شيء أكبر!
-
تقصد الحرب بصفة عامة؟ الشرور الإنسانية؟ القيم المشوَهة؟
-
أكبر!
-
هل تقصد القدر؟ الإله؟!
هنا قام الدكتور من مقامه وسأل سؤالًا جديدًا.
-
هل درست ميكانيكا الكم يا كاپتن؟ هل تعلم ما هي الأكوان
المتعددة؟
لم يفهم الكاپتن ما علاقة هذا بأي شيء، لكنه أجاب على أي حال.
-
عندي خلفية بسيطة، هي نظرية تقول بوجود عدد لامتناهٍ من
الأكوان، كوننا واحد منهم، مما يجعل كل الاحتمالات ممكنة، فكل احتمال حتمًا يحدث
في واحد من هذه الأكوان.
-
بالضبط، لكن ما معنى أن كل الاحتمالات حادثة بشكل حتمي؟ هل لك
أن تضرب لي مثالًا؟
-
مثل أن يوجد كون انتصر فيه هتلر في الحرب العالمية، ويوجد كون
أكمل فيه هتلر دراسته بكلية الفنون ولم تندلع الحرب من الأساس، وهكذا.
-
حسنًا، كلامك صحيح طبعًا لكن الاكتفاء بتلك الأمثلة يعني قصورًا
في الفهم، فكل الاحتمالات حادثة تعني ما هو أوسع بكثير من نطاق تلك الأمثلة، أوسع
بكثير، إنه يعني أن كل شيء حرفيًا يحدث، كون تقود فيه ثمار الطماطم جيشًا من
الأبقار، كون يتكاثر فيه البشر لاجنسيًا، وكونٌ...
-
حسنًا، لكن ما علاقة هذا بالعدو الحقيقي يا دكتور؟
-
وكونٌ مرتبط بخيال شخصٍ ما في كونٍ آخر.
-
ماذا؟
-
كاپتن، لقد أثبت باحثونا أن انتقاء كون من الأكوان المتعددة
بشكل عشوائي ينتج عنه وباحتمالية فوق الـ60% أن يكون هذا الكون مرتبطًا بخيال شخصٍ
ما من كونٍ آخر، أي بتبسيط غير مخلٍ تمامًا، فالسواد الأعظم من الأكوان المتعددة
هي خيالات أشخاص من أكوان أخرى، والتي قد تكون هي بدورها خيالات لأشخاص آخرين،
وهكذا.
-
تقصد أن كوننا هذا هو... مستحيل!
- كوننا يأتي من مخيلة رجل
تمكن باحثونا من رصده بالفعل، إنه يكتب أحداثنا تلك في رواية يؤلفها، هو الذي أقام
كل تلك الشرور، هو الذي أشعل الحرب وأنقص الغذاء وحرك زلازلنا وهيَج أعاصيرنا، هذا
العجوز هو اللاعب والعدو يا كاپتن.
أصاب رأس الكاپتن دوارٌ لم يصبه من قبل، وخرجت منه الكلمات
تائهة مثله.
-
ولماذا يفعل هذا العجوز أشياء مثل هذه؟!
-
لأنه يائس، وبائس، خسر عمره في لا شيء، والآن لا يملك إلا
دفترًا وقلمًا، يرثي بهما أحلامه وآمال حياته، وما نحن إلا سطور في رثائه، مهمتك
يا كاپتن أن تقتل العدو الحقيقي لينتهي كل هذا الجنون.
ضغط الدكتور على زر في مكتبه ليأتي في الحال رجلان بمعطفين
أبيضين كالمعاطف التي تُرتدى في المختبرات، بعدها تابع الدكتور كلامه مع الكاپتن.
-
تمكنَا كذلك من صنع بوابة كمومية للعالم الذي يعيش فيه العجوز،
هو يعيش في شقة مع ابنة أخيه التي ترعاه ويدعوها ابنته، لن تكون مهمتك صعبة.
-
لكن إذا كان كوننا فقط في خياله، ألن نتلاشى بموته؟
-
لا تقلق بهذا الشأن، فقد طوَر علماؤنا خوارزمية كمَية ستبقي
كوننا مستقرًا حتى بعد موته.
همَ الكاپتن بالذهاب مع الرجلين ليستهل أغرب مهمة في تاريخه
المهني، لكن سؤالًا جديدًا طرأ على ذهنه.
-
لكن يا دكتور، إذا كان العجوز يتحكم في عالمنا، لماذا سمح لنا
بأن نكتشفه ونخطط لقتله؟ لماذا لا يقتلنا الآن بينما نتحدث؟
جلس الدكتور وملأ كرسيه ثم تنهد تنهيدة طويلة قبل أن يقرر
الإجابة.
-
لأنه يا كاپتن، قد يئس على الأغلب.
هز الكاپتن رأسه موافقًا وقرر الذهاب مع الرجلين ذوي المعطفين
الأبيضين نحو البوابة الكمومية، أوقفه نداء أخير من الدكتور: كاپتن! التفت الكاپتن
ببطء وبرأسٍ مثقل ليخبره الدكتور بهدوءٍ حزين: لا تجعله يعاني.
عاد الكاپتن إلى رفقة رجلي المختبر، دار في ذهنه أن عبارة
الدكتور الأخيرة هي من لسان العجوز بالأساس، لكنه لم يشأ التصريح بتلك الخاطرة،
لأنه لو صرَح بها فسيحتمل هذا التصريح في حد ذاته إمكانية وصفه بأنه من كلام
العجوز، مثل أي شيء قيل أو يمكن أن يقال، مثل أي شيء عرفه يومًا عن هذا العالم.
وبكلمة العالم انتهت الصفحة، وقلب العجوز دفتره ليجد جلدة
الدفتر الَذي لفظ آخر صفحاته، فأغلقه وأعاد القلم إلى موضعه، رتَب بعض العناصر على
المكتب متحليًا بارتياح ضمير استمده من إنهائه لكتابه أخيرًا، بعدها اتكأ على
مقعده، وشرد قليلًا بذهنه، ورسم ابتسامة خافتة على وجهه، وعندما دق جرس الباب طلب
بكل أدب وهدوء من الفتاة أن تفتح للطارق.
تمت
