شخصيًا لست من كبار عشاق إنجمار برجمان، فأفلامه على جودتها وتميّز صنعتها دومًا تشعرني بأنها مثقلة ومزدحمة، وأنا لا أعني من ناحية المعاني والمواضيع، بل من ناحية التقنيات السينمائية، فمثلًا قد قدّم المخرج السويدي في عام واحد (1957) فيلمين هما «الختم السابع» و«الفراولة البرية»، وهما فيلمان حظيا بمكانة باتت مسلّم بها ومعروفة في تاريخ السينما وفي السينما الوجودية بصفة خاصة، وهما عملان يجوز اعتبارهما بمثابة كتالوجين لمناهج التعبير السينمائية، فأي نهج سردي أو تعبيري سيخطر ببال أحد سيجده في أحدهما على الأقل حتمًا، كالترميز والأحلام والرواية الصوتية وغيرها، وپِرسونا ليس مختلفًا جذريًا ولا منشقًا على فلموجرافيا برجمان، بل هو كذلك مكتظ بكل ما قد وصلت إليه أيدي المخرج السويدي من أدوات، ففيه الحلم وفيه التعليق الصوتي، وكل ما يقع تحت طائلة التجريب التصويري مثل إعادة مشهد من منظور مختلف، أو تقسيم الشاشة إلى نصفين، أو غيرها، لكن پِرسونا يحمل قدرًا من السحر والهيبة يضعانه في كفة أخرى وسط أفلام برجمان على غزارة إنتاجه.
تنم افتتاحية پِرسونا وحدها عن جرأة منقطعة النظير، وكأن الفيلم
يطل على مشاهديه بكل ثقة من لحظاته الأولى وبشجاعة كافية لا تجعله يخشى أن ينفر
منه المتلقي، يبدأ الفيلم بتسلسلٍ من الصور والمقاطع غير المترابطة، وهو بالطبع
ليس أسلوبًا ابتدعه برجمان، بل هو الأسلوب الأكثر شيوعًا عند روّاد الأفلام
التجريبية بعد الحرب العالمية الأولى، وقتها بزغت في الفن حركتان متتابعتان هما
الدادائية والسيريالية، كان السبق للأولى، إذ أن جيلًا قد عاد من خنادق الحرب
يائسًا من الفن بمفهومه التقليدي، رافضًا المحاولات المنطقية للتعبير، فنشأت حركة
الدادا واضعةً نفسها نقيضًا للفن، وبالطبع لقت انتقادات من أنصار الفن بشكله
الكلاسيكي، وظهرت دعوات للعودة إلى المنطق والنظام، لربما هذا ما ألهم الفنان
الدادائي «مان راي» أن يُعَنوِن فيلمه القصير -الذي سيصير إحدى أهم علامات سينما
الدادا- بعنوان «العودة إلى المنطق»، وبطبيعة الحال أتى الفيلم متعارضًا مع اسمه،
إذ كان تسلسلًا من صور ومقاطع غير مترابطة. أما السيريالية فقد رأت النور بعد أن
خفت نجم الدادا، وقد قدمت نفسها كحركة فنية طليعية لا تلتزم بالمنطق، وإنما هدفها
الغوص في اللاوعي وخلق حالة نفسية، وفي السينما كان أبرز الإنتاج السيريالي هو ما
صنعته شراكة لويس بونويل وسالڤادور دالي، مثل «الكلب الأندلسي» و«العصر الذهبي».
يبدأ پِرسونا بتسلسل من مقاطع سينمائية صامتة أو كرتونية فيما
يشبه كولاچ دادائي، نبصر عضوًا ذكريًا لثانية أو لجزء من الثانية بين تلك اللقطات،
إنها ليست أول مرة يظهر فيها عضو ذكري على شاشة السينما لكن يبقى هذا خيارًا
صادمًا، إذ أن الجسد الأنثوي دومًا هو المقترن بالجمال والقيمة الاستطيقية، على
الأقل في الرؤية الفنية الغربية الحديثة، وحتى مع بزوغ الدادا التي من المفترض أتت
لتدمر الفن، نرى نهدين أنثويين ضمن تسلسل عودة مان راي إلى المنطق، وهو ما يجعل
عودته إلى المنطق -نوعًا ما- منطقية فعلًا، ولو جزئيًا على الأقل، وهو طبعًا عكس ما
ابتغاه. سبب آخر يكسب تلك اللقطة غرابة، هو أن الفيلم عن امرأتين، يهيمن عليه حضور
أنثوي، ولا يتعدى حضور الرجل فيه أكثر من دقائق تعد على أصابع يدٍ واحدة، إنها
مفارقة طريفة أن أحد أبرز الأمثلة للأفلام التي تجاوزت اختبار بكدل يحتوي قضيبًا
ذكريًا في تسلسل افتتاحيته.
تستأنف لقطات الافتتاحية تسلسلها حتى تصل إلى مقاطع تصوّر دق
مسامير في كفوفٍ بشرية، وأيضًا اللقطات الدموية العنيفة ليست جديدة على هذا النوع
من التسلسلات العبثية، فعمل سيريالي شهير ومهم مثل كلب بونويل ودالي الأندلسي قد
احتوى على ما يجوز اعتداده أشهر مشهد وأشهر صورة في تاريخ السينما السيريالية، وهو
مشهد شق عين امرأة بسكّين، حيث قدّم الفيلم خدعة ذكية وقتئذ، فبمجرد أن يدرك
المُشاهد ما سيحدث في المشهد، تنتقل الصورة إلى السماء، حيث تبدو سحابة وكأنها نصل
ويبزغ القمر وكأنه عين، ثم تقتحم السحابة القمر وكأنها تشقه بنصلها، فيظن المتلقي
أن مآل المشهد المفترض قد تجسد رمزًا في السحابة والقمر، فيتنفس الصعداء لأنه لم
يعد بحاجة لرؤية الحقيقة الدموية، لكن بونويل يحطم الأمل الزائف ويعود ليعرض شق
العين بالسكين، فلا أحد سيفرض على السيريالية ما تعرضه وما لا تعرضه بأي داعٍ جماليّ
كان أو غير جمالي. برجمان هنا لم يمنح المتفرج أملًا، على الأقل حتى الآن،
فالتسلسل سيريالي وصادم من البداية مرورًا بالعضو الذكري وصولًا إلى صلب الكفوف، وبالطبع
ثيمة الصلب نفسها ليست بعيدة عن سينما برجمان الهائمة بين الشك والقلاقل
الوجودية، غير أنّها هنا في منتصف تدفق سيريالي، لا يتوسل ليُفهم معناه، وإنما هو
مطروح ليبقى صورة سينمائية تجريدية لا تبغى سوى إحداث صدمة.
يصل التسلسل السيريالي بنا إلى ما يبدو أنّه مشرحة، نشاهد أجسادًا
مغطّاة لمجموعة من كبار السن موضوعة فوق طاولات، تنتقل الكاميرا بين وجوه الجثث، ثم
تبلغ بنا طاولة عليها صبيّ صغير، وقبل أن يعتصر الحزن فؤاد المُشاهد على الفتى الّذي
وافته المنية قبل الأوان، نراه يتقلّب وينزع غطاءه، ثم يقرأ كتابًا ويشاهد شاشة
عرض سينمائي تعرض صورة ثابتة لوجه امرأة غير واضحة الملامح لكنها على الأغلب مزيج
من ملامح البطلتين الرئيسيتين، فيمد الصبيّ يده نحوها أو يلمسها. إن الانتقال من
العَجَزة إلى الطفل، ثم رؤية الطفل ينعم بالحياة، يطبّع المشرحة بطبيعة ماورائية، إنها
هكذا قد صارت برزخًا للأرواح، أو نقطة انتقال بين عالمين، لقد بلغت الصورة
الشيخوخة والموت، ثم عادت إلى الطفولة والحياة، فيما يجوز اعتباره عودًا أبديًا،
أو دورة الحياة الطبيعية. افتتاحية پِرسونا هي مثل ختام أوديسا الفضاء لكوبريك
الّذي سيعرض بعد سنتين من فيلم برجمان، كلاهما تسلسل لا يضع المنطق في أولى أولوياته،
وكلاهما يجسّد تنقلًا بين مراحل الحياة، فيعود من الشيخ إلى الطفل، يمد الهرِم يده
في الأوديسا على طريقة آدم مايكل أنجلو مثلما يمد الطفل يده في پِرسونا، يمدها
الهرِم نحو الجدار الأسود الّذي يمثل تصورًا غير مُشخّص لقوة علوية أو حضور إلهي،
بينما يمدّها الطفل نحو شاشة السينما، الّتي تمثل -مثلما تمثّل الفنون بصفة عامة- حضورًا
إلهيًا أيضًا، يحلو للنقاد ولمواقع قواعد بيانات الأفلام أن تقدم هذا الصبيّ بصفة ابن
إليزابيث (ليڤ أولمان) إحدى الشخصيتين الرئيسيتين في الفيلم، رغم أن ما من دليل
يجعل هذا الادعاء يقينًا، لكنه تصوّر مقبول إذ أننا سنعرف لاحقًا أن إليزابيث هي
أمٌ تلعن أمومتها ولم تكن لترغب في طفل، وهكذا يمكننا أن نرى مدّ الطفل ذراعه لشاشة
السينما الّتي تعرض صورة المرأة محاولةً لتحسّس حقيقته، وإدراك وجوده، ومعرفة
حكاية أمه وحملها به.
يكتمل التسلسل الافتتاحي، وننتقل إلى المشهد الّذي يستهل القصة،
الممرضة ألما (بيبي أندرسون) في غرفة الطبيبة، تخبرها الطبيبة بمهمتها الجديدة،
رعاية إليزابيث، الممثلة الّتي توقفت فجأة وبدون داعٍ طبيّ عن الكلام. تكوين هذا
المشهد فارغ تقريبًا، لكن لا يسعني إلا أن أصف الميزانسين فيه بأنه ساحر وآسر، إنه
مكتب طبيبة، ولكنه يكتسب حضورًا مهيبًا بأقل مجهود، وبأدوات متوفرة لكل فناني
الأرض، إنه مكتب طبيبة ولكنّه أيضًا مجلس إلهي، تُعِدُّ فيه الآلهة مبعوثتها لمهمتها
الملحمية المقدسة، إنه تكوين أراه على ذروة الإبداع السينمائي المينيماليستي، فبترتيبه
لعدد محدود جدًا من العناصر المألوفة يبث في المتلقي شعورًا بعيدًا كل البُعد عن
المألوف، إنه تكوين يلائمه تمامًا نسبة أبعاد الصورة القريبة من المربعة، وكأنها
إطارٌ يعرض جزءًا يسيرًا من حقيقة محجوبٌ أغلبها. ليس بوسعي إلا أن أتذكر مشهد مصلحة
الآثار في فيلم المومياء لشادي عبد السلام، وهو أيضًا مشهد استهلالي ذو تكوين بسيط
وفعّال، وهو أيضًا تجسيد لمجلسٍ إلهي يستقبل صدًى بعيدًا من طيبة البعيدة، ويُعِدُّ مبعوثًا لمهمة ملحمية مقدسة.
ومثل رحلة البطل في القصص الكلاسيكية، تتردد ألما وتبتغي رفض
المهمة، نرى حواراتها مع الطبيبة وقد احتجبت الأخيرة خلف المشهد، وهي تقنية تصوّر حديث
ألما مرة أخرى في صورة مناجاة مع قوة علوية، لكن في النهاية كرُسُل الآلهة تقبل ألما مهمتها بطبيعة
الحال. تواجه الطبيبة إليزابيث بحقيقتها وأزمتها الوجودية وبأنها متوقفة عن الكلام
بإرادتها، ثم ترسلها برفقة ألما إلى كوخ على شاطئ جزيرة، في محاكاة لجنة عدنٍ
يسكنها آدم وحواء، أو في هذه الحالة حواء وحواء.
ينتقل بعدها الفيلم لتسلسلٍ للمرأتين على الجزيرة، تلتزم
إليزابيث الصمت بينما تغرقهما ألما في الكلام، تمر الأيام ولا ينقطع حديث ألما أو
سكوت إليزابيث، يصل هذا التسلسل ذروته حينما تقرّر ألما أن تبوح بسرّ نزوتها الجنسية
وخيانتها لخطيبها ثم حملها وإجهاضها، ولأن الصمت يضع إليزابيث على الأغلب في حالة
حضور سلبيّ، فإن اعتراف ألما يبدو تطوعًا محضًا، أو خيارًا شخصيًا بوضع
حملها الثقيل، وكأنها رأت في صمت إليزابيث وحضورها الخافت جزءًا من ذاتها لا آخرًا
مغايرًا. يصوّر المشهد إحساسًا عميقًا بالذنب، لكن يخطئ -أو بالأحرى يكذب- من لا يرى في
هذا المشهد سوى الذنب، فالمشهد إيروتيكي من طرازٍ فذ، يخلق حالة فريدة من الاستثارة
الجنسية، إنه في ذلك يقارع باحتجابه خلف كلماته مشهدًا جنسيًا فجًا (ورائعًا أيضًا!) مثل
مشهد فيلم ديفيد لينش «طريق مولهولاند»، وهو فيلم يبدو تأثره بپِرسونا برجمان
واضحًا بشدة. يخلق هذا المشهد أيضًا حالة بيّنة من التوتر الجنسي بين المرأتين، إنها
الحالة الإيروتيكية الّتي يمكن أن نراها بمثابة خطوة حرجة في الرحلة الصوفية لانصهار
روحيهما في نفسٍ واحدة، الرحلة الّتي يبدو أن الفيلم يلاحق خُطاها. إن كل فيلم
عظيم هو إيروتيكي على نحوٍ ما، وكل فيلم عظيم هو صوفي على نحوٍ ما، لذا يذيّل المشهد
الإيروتيكي باستنطاق إليزابيث أخيرًا، فتخبر ألما بأن عليها أن تنام، تلحظ ألما أن
إليزابيث قد تكلّمت لكنها من إثر التعب لم تعلّق ولم تصدر ردّة فعل، تنام ألما ليعرض
الفيلم تسلسلًا حالمًا بديعًا، أشبه بكوريوجرافيا إيروتيكية على نحوٍ خاص بين
إليزابيث وألما، وهو التسلسل الّذي منح الفيلم لقطته الأشهر أو لوحته الأبرز، حين
تمسك إليزابيث برأس ألما وتكسر نظراتهما الحائط الرابع وكأنها مناجاة لتجلٍّ علويّ
تماثل كل مرة غاب فيها المخاطَب على الشاشة. في اليوم التالي تسأل ألما إليزابيث إذا
ما كانت قد تكلّمت بالأمس، وإذا ما كانت قد أتت إلى غرفتها، وتجيب إليزابيث على كلا
السؤالين بهزّ رأسها نافية.
تستمر حالة الذوبان بين روحي المرأتين، وتستمر حبكة سينمائية
ليست شاذة تمامًا بمقاييس السينما، حتى تعثر ألما على خطاب من إليزابيث للطبيبة، يبدو
من كلامها أنها لا تمنح وزنًا كبيرًا لألما أو لعلاقتها بها، كما أنها تتكلّم عنها
باستخفاف، ولا تمانع في أن تفضح أسرارها ونزوتها الجنسية على اعتبار أنّها موضوعٌ للدراسة، تجد ألما أن الأدوار قد انقلبت، وأن إليزابيث -في صمتها ومرضها المفترض-
صار لها اليد العليا، بينما ألما وكلامها أصبحا محض موضوع. إن قراءة ألما للخطاب
أشبه بالتناول من الشجرة المحرّمة الّتي خرّبت الحياة الهانئة في جنة عدن، يُحال بعدها
تسلسل الكلام الّذي لا ينقطع إلى تسلسل من صمت تام قلِق ومرتاب، غير أن أثر الأكل
من الشجرة المحرمة لا يقتصر على الحبكة فقط، بل يمتد إلى الوسيط السينمائي
نفسه، فيعرض لنا برجمان ما يصوّر احتراق الفيلم وخراب الشريط السينمائي. تشبّه
الكاتبة سوزان سونتاج سعي برجمان لتذكيرنا بأننا نصب وسيط سينمائي، تشبّهه بمسرح
بيكيت الّذي ما ينفك يذكّر مشاهديه بأنهم يشاهدون مسرحية. إن لقطة حرق الفيلم
تذكّر من نسي من المشاهدين بأن الفيلم بدأ بتسلسلٍ سيريالي، وأنه لم يكن يفترض به
من البداية أن يضحى حبكة عادية، برجمان لا يصنع هنا فيلمًا إن جاز التعبير وإنما
ميتا-فيلم، يخلق ظاهرة وراء سينمائية، يضع شخصياته والوسيط السينمائي والمتلقي (في
مشاهد كسر الحائط الرابع) في حالة فنية موحدة.
يندلع بين المرأتين مواجهات ثم تهدأ، ثم تسمع كلتاهما صوت زوج
إليزابيث في الجزيرة يهتف باسمها باحثًا عنها، تخرج إليه المرأتان فتخاطبه ألما
وتبقى إليزابيث خلفها، لا يظهر الزوج في بادئ الأمر استكمالًا لتقليد غياب المخاطَب
عن الصورة، لكننا نرى أنه يخاطب ألما على أنّها إليزابيث، تحاول ألما أن تصحح له
الأمر لكن دون جدوى، تنتقل الصورة لأول مرة بعدئذٍ نحو المخاطَب، فنجد الزوج
مرتديًا نظارة سوداء، هنا قد يظن المشاهد أن الزوج ضرير فيصير الإشكال مفهومًا
ومنطقيًا إلى حدٍ معقول، لكن سرعان ما يخلع الزوج نظارته لنجد عينيه سليمتين معافيين
لا تشوبهما شائبة، وأن النظارة كانت فقط نظارة شمس. إن نظارة الزوج كانت أملًا
زائفًا أخيرًا منحه برجمان لمشاهديه، من قد يظن منهم أن هناك أملًا في أن يسلك
الفيلم مسلكًا اعتياديًا، أو أن حدثًا ذا منطقٍ يفسّره قد يجد له طريقًا إلى شاشة برجمان،
أنهى برجمان آخر أمل من هذا النوع على نهج الدادائيين والسيرياليين، مثلما سخر مان
راي من راغبي العودة إلى المنطق بعد أن منحهما أملًا في عنوان فيلمه، مثلما فاجأ
بونويل مشاهديه بالمشهد الدموي بعد أن هيّأ لهم أنه سيكتفي بالرمز. بنزع الزوج
لنظارته ألقى برجمان بالحبكة أو القصة جانبًا، وأعاد الفيلم سيرته الأولى، تسلسلًا
سيرياليًا وفنًا محضًا.
ترضى ألما بحقيقة أنّها إليزابيث بعض الوقت وتنام مع الزوج في
مشهدٍ هو بين الحقيقة والحلم، تظهر فيه إليزابيث وكأنها غير ذات وجود، وكأنها عنصر
أضافته الحيل السينمائية إلى الشاشة، كأنها طيفٌ هائمٌ لم يكن هناك حقًا. و مثلما
يفعل التسلسل السيريالي بلقطاته التجريدية، يتخطى بعدها الفيلم الأمر دون ذكرٍ لما
آلت إليه حكاية الزوج، ننتقل بعد ذلك لمشهد تواجه فيه ألما إليزابيث، تصارحها بحقيقة
لِم مزّقت -أي إليزابيث- صورة ابنها، في مشهد يُعرَض مرتين، مرة بلقطة مقرّبة لوجه
إليزابيث الصامت، ومرة بلقطة مقرّبة لوجه ألما وهي تسرد مونولوجها، تخبرها عن
كراهيتها -أي إليزابيث- للأمومة وكيف سعت إلى الإجهاض، بعد المونولوج تنقسم الشاشة إلى نصفين، وتختلط
ملامح ألما بملامح إليزابيث، ثم تنهار ألما باكية، رافضةً ما يحدث من ذوبان هويّتها
وتلاشي ذاتها، لقد اعترفت قبلًا بما اقترفته، أما الآن فتعترف بما اقترفه الآخر،
وكأنها صارت جزءًا من ذات الآخر، وكأنها لم تعد إنسانًا أو شخصية (پِرسونا) بل
أضحت عنصرًا في حلم، والإشكال الأكبر أن ليست هي من يحلم. في النهاية نعود إلى المستشفى، تقرر ألما
الرحيل وألا تتماهي مع ذوبانها الوجودي، لكن قبل أن ترحل تتم مهمتها، تطلب من
إليزابيث أن تقول «لا شيء»، فتذعن إليزابيث وتنطق بكلمة «لا شيء» فعلًا فيما يشبه
نكتة وجودية سارترية. نجد بعدها ألما تحزم أمتعتها وترحل، تظهر الكاميرا المصوّرة
للفيلم، ثم الصبي في المشرحة الّذي يسعى للمس الشاشة، ثم تنطفئ آلة العرض.
پِرسونا هي كلمة لاتينية تعني قناعًا، وقد ورثتها اللغات الأوروبية وصارت معناها شخصية، وهو
مصطلح مستخدم في المسرح بمعني الدور، وفي بداية الفيلم ندرك أن إليزابيث كانت تؤدي
دور إلكترا على المسرح حين توقفت عن الكلام فجأة، وإلكترا لها حبكة كلاسيكية ودور
تؤديه، ومؤامرة تشارك فيها أخاها للانتقام لوالدها، لقد رفضت إليزابيث الدور
الكلاسيكي والحبكة المعتادة، مثلما نبذت أمومتها ورفضت دورها الجندري، ومثلما طرح
برجمان القصة والحبكة جانبًا، وآثر صناعة حالة فنية نفسية فريدة، استعار فيها
أدوات وثيمات من مدارس فنية طليعية سبقته بعقود، وقدّم عملًا ذا شخصية فذة وروحًا
مهيبة، بقى وسيبقى على مر السنين منبعًا لجلالٍ سينمائيّ غير مفهوم وغير قابل
للشرح.


