تدوينة نشرتها على حسابي على ليتربوكسد بتاريخ 24 فبراير 2022
لكن دومًا ما كانت هناك مشكلات في محاولات الكتابة عن الفيلم، مشكلات طالت حتى أنجح المحاولات وأعمقها وأذكاها، ولن أزعم أنها مشكلة موضوعية بقدر ما هي مرتبطة بشكل وثيق بالتلقي والتناول الشخصي مني تجاه الفيلم، ومدى استجابتي للحالة التي خلقها في ذهني، وهي حالة جعلت أي مقاربة تحليلية تبدو كخطوط من قلم حبر جاف يشق مشغولة زخرفية بما لا يدع مجالًا للحديث عن ملاءمة الخطوط للمشغولة من عدمها، ومرة أخرى هذا ليس حكمًا مطلقًا بقدر ما هو استجابتي الذاتية لعمل لارس هنا، ولذا توقفت منذ زمن عن الاطلاع على أي كتابة نقدية بخصوص ميلانخوليا، ناهيك بمحاولة الكتابة عنه، وربما لو اتُفِق يومًا على أن ثمة أفلامًا أو قطعًا فنية يُستحسن أن تنال عقدًا ضمنيًا بالصمت من الجميع فسأجرؤ حينها على البوح بأن ميلانخوليا يستحق مقعدًا بينها بلا شك.
لذا من الأفضل لي أن أحاول فهم هذه الحالة بدون الاستطراق إلى بؤرة الفيلم، أو بكلمات أخرى أن أبتغي المناورة بقلم الحبر الجاف حول المشغولة دون شقها، فلن أبحث في موسيقى ڤاجنر أو نجم العقرب أو الستمائة حبة في القارورة، ولن أضع يدي في أعماق التحليل النفسي للأختين چاستين وكلير، أو التيه في أسبار المعاني التي تخص المفاهيم الكبيرة كالحياة والإنسانية، فقط سأبحث في طيات سؤال يقف على بُعد ميل من ضفة كل هذا، وهو ببساطة: عن أي شيء أصلًا يدور هذا العمل؟ وما الذي يجعله «يعمل»؟
تضع الفيلسوفة الأمريكية المعاصرة سوزان لانجر تعريفًا وظيفيًا
للفن بأنه يقوم بوظيفتين عكسيتين تمامًا، هما تحويل الخبرة الذاتية إلى الموضوع
وتحويل الموضوع إلى خبرة ذاتية، أو ما يجوز الاصطلاح عليهما كالآتي
Objectification
of Emotions
Subjectification
of Nature
فالأولى هي أن يحوّل الفنان تجربته الذاتية إلى عمل فني، والثانية أن يتولى الفن تدريب عيون الفنان ثم المتلقي على تحويل المواضيع الخارجة عن الذات إلى تجربة داخلية، فيختلف عند الإنسان هنا الإحساس بالأشياء عن الإحساس الحيواني الطبيعي بالعالم الخارجي ويرتقي إلى ما هو «أعلى» أو إلى ما هو «مُرمّز» إن جاز الوصف.
الوظيفة الأولى هي الأوضح والأكثر بداهة، فنحن لا نتحدث عن آلام ڤان جوخ أو هموم بيرجمان أو معاناة بيتهوڤن بقدر ما نتحدث عن لوحات الأول وأفلام الثاني وموسيقى الثالث، فالعمل الفني هو الموضوع المتجسد أمام العالم للمشاعر التي لا تمثل أي شيء لغير صاحبها، وبالمثل فسنرى الأمر بالنسبة إلى ڤون ترير الذي لا يخفى تاريخه مع الاكتئاب، والذي نتذكر تصريحه عن حالات الفوپيا التي تصيبه بأنه أصبح يخاف من كل شيء في العالم إلا صناعة الأفلام، لكننا لن نحتاج لتناول أي من هذا بشكل مكثف لأن چاستين وكلير صارتا موضوعين متجسدين أمامنا على شريط سينمائي، وربما يشرح هذا قليلًا عن مآل محاولات التحليل لارتباط اللوحات في الفيلم أو الموسيقى أو الرمزيات ببعضها، وعن عدم تحقيق تلك المحاولات نجاحًا باهرًا، لأنها قبل وبعد كل شيء محاولات تتناول مشاعرَ وأحلامًا وصرخاتٍ تدور وتطوف في رأسٍ ما.
الوظيفة الثانية ربما هي الأعمق ولا تتصف ببداهة الوظيفة الأولى، لأن تحويل الموضوع الخارجي لخبرة ذاتية يبدو مناقضًا من الأساس لمعايير سيكولوچية تقضي بوجوب احتماء الإنسان بالعالم والجماعة، إذ يبدو انفصاله عنهم ولو فكريًا لخلق تجربة ذاتية أو رموز شخصية لموضوعٍ طائلٍ للجميع أمرًا متقدمًا وتطوريًا جدًا، وربما هو ما يجعل الفن بهذه الوظيفة أبرز ما يميز الإنسان عن بقية الكائنات، وهو ما يصفه فلاسفة الجمال أحيانًا بالترميز، وعندما ننظر إلى موضوع مثل نهاية العالم والذي هو لُب الفيلم سنكون قد وضعنا أعيننا على أوسع ما يمكن وصفه بالعالمية والجماعية المطلقة، هو حرفيًا الحِمل الذي لن يتشارك البشر كافة فيما هو أثقل منه مطلقًا، وهو موضوع نوقش في كل الأدبيات والفنون بل صار الفن الأپوكاليپتي ما يشبه الفرع المعروف بين الفنون، وقد اعتدنا على عشرات الأفلام التي صورت نهاية العالم في السينما، وكلها تتميز بذات الصفة، الجماعية والزوال التام للاستقبال الفردي للحدث، ولا مانع من بعض الخدع الهوليوودية المخفضة للتكاليف بنسخ وتكرار الوجوه في وسط الجموع، فممثل أو فرد إضافي لن يضيف جديدًا للمشاعر المتكتلة في الصورة، والوضع في ميلانخوليا كما يبزغ جليًا مختلفٌ تمام الاختلاف، لأنه نجح بالفعل في تحويل أكبر مثال ممكن للموضوع الخارجي إلى خبرة شديدة الفردانية والذاتية، وهو ما يسمح لنا بالقول، أن بتعريف لانجر، وبنجاح الفيلم المتطرف في كلا شقّي الوظيفة الفنية، يمكننا وضع ميلانخوليا على أعلى قمم الفن دون فقدان قدر معقول من الوجاهة.
في نفس عام صدور الفيلم أخرج لنا المخرج المجري بيلا تار سرديته الخاصة عن انتهاء العالم والمعنى في فيلم حصان تورينو، وهي سردية قد تراها شريحة كبيرة وهي ربما الأغلبية أكثر عمقًا وتعقلًا وإبداعًا، لكني سأظل من فريق ميلانخوليا، الفريق الذي ما زال يرى النهاية نورًا وليس ظلامًا، الذي يجد الاكتئاب في الاشتعال الذهبي والصفاء الأزرق أكثر من العتمة المطلقة، الذي يسلّم بانعدام المعنى لكن لا يجد مانعًا في صناعة كهوف سحرية لا طائل منها..
لا أدري تمامًا الكيفية التي تتذوق بها مخيلتي الأعمال الفنية،
لكن يبقى ميلانخوليا واحدًا من الأفلام القليلة جدًا التي حجز لها عقلي مقعدًا وسط
فئة الأفلام التي تتناول وتتحدث عن كل شيء وبأوسع نطاق ممكن، تلك الأفلام اليونيڤيرسالية
التي تصهر كل شيء تقريبًا في الخبرة الإنسانية التاريخية والعالمية داخل سردية
واحدة، وربما بالتماس مع تيمات الفيلم تلك سيتوجب عليّ الانتهاء عند هذه النقطة،
قبل أن يشق القلم الجاف طريقه خلسةً إلى مركز اللوحة، وقبل أن أعود وألقي الكلام
عن الفيلم جانبًا مرة أخرى.
