test

الاثنين، 17 يوليو 2023

الوقوف على حافة المستحيل: رحلة العقل في دراسة الاستحالة


 من أعلى اليسار وفي اتجاه عقارب الساعة:
هيپاسوس الميتاپونتولي، پيير دي فيرمات، بيرتراند راسل، كيرت جودل، ألفرد تارسكي، وآلان تورنج

في عام 1775 أعلنت الأكاديمية الملكية الفرنسية للعلوم أنها لم تعد تقبل أي مُقترحات أو تصميمات تخصّ آلة الحركة الأبدية Perpetual Motion Machine(آلة يفترض أن تتحرك إلى الأبد بدون مصدر طاقة خارجي)، لم تكن المرّة الأولى الّتي ينفر فيها المجتمع العلمي من تلك الفكرة الفانتازية، فإن الحسّ العام عند العلماء والفلاسفة طالما مال عمومًا إلى رفضها والتسليم بأنها محض خيال بعيد، حتى أن ليوناردو دا ڤينشي في القرن الخامس عشر قد طلب متهكمًا من السائرين في ذلك الدرب أن يتخذوا مقاعدهم بجانب الخيميائيين، لكن لا أحد أنكر أن ثمة أمرًا ضبابيًّا بالفعل في هذه الأزمة، فالتاريخ زاخرٌ بما كان «مستحيلًا» في عصر ليتمكّن منه الإنسان في عصرٍ آخر، فما الّذي يجعل الآلة الأبدية «مستحيلًا صارمًا» يختلف على نحوٍ ما عمّا استطاع وسيستطيع الإنسان اجتيازه من عقبات الأمور؟ ستنتشر نظريات المؤامرة بين العامّة حول وجود تلك الآلة الّتي يخفيها عن الأعين المستفيدون من تجارة الوقود، وفي القرن التاسع عشر سيُصاغ قانونا الديناميكا الحرارية الّذان سيثبتان أخيرًا استحالة الآلة الأبدية[1]، قد يعدّ هذا مُنجَزًا علميًا رائعًا ومحوريًا لكنه لن يحدث نجاحًا مبهرًا في منع انتشار نظريات المؤامرة، وعلى كل حال فإن قصّة العقل البشري مع الآلة الأبدية تطرح بضع أسئلة تستحق النظر: ما المستحيل؟ ما الّذي يجعله مستحيلًا؟ ما الفرق بينه وبين صعاب الأمور الّتي تبدو عضالًا في زمنٍ ثم تخضع في آخر؟

إذن على حد معرفتنا توجد صعاب الأمور في ناحية، وفي ناحية أخرى يوجد المستحيل الصارم الّذي لا يمكن التفاوض معه تحت أي ظرف وفي ظلّ أي تكنولوچيا، وعبر التاريخ لم تكن أداة الإنسان للتفريق بينهما معروفةً أو مسلّمًا بها، إذ لم تكن دومًا على قدرٍ من البداهة حقيقة أن الحجج المنطقية والإثباتات العقلية هي فقط ما تشكّل صروحًا عقلية راسخة لا تتغير بتبدّل العصور، وأن من الباطل الاكتفاء بالأدلة الطبيعية للاستدلال، فطلوع الشمس كل صباح ليس دليلًا على طلوعها في الغد، إنها مشكلة الاستقراء الّتي سترتبط في عصر التنوير باسم ديڤيد هيوم، والّتي سيصيغها بيرتراند راسل لاحقًا في عبارة »الرجل الّذي يطعم الدجاجة كل يوم سينتهي به الأمر بحصد رأسها»[2]، لكنها ظهرت بكل تأكيد قبل هذا في القرن الثاني قبل الميلاد في كتابات سيكستوس إمبريكوس[3]، لقد كانت فكرةً جللًا، ولحظة إدراك أن الخبرات الحياتية ليست الوسيلة المعرفية الحاسمة، لربما يعتبرها البعض نقطة تباين البشر عن سائر الحيوانات الّتي تعتمد اعتمادًا مطلقًا على خبراتها الروتينية.

محاولة لتحرّي معنى الاستحالة

يتردد لفظ الاستحالة بمشتقاته كثيرًا في لغتنا، حتى صار لا يستخدم إلا مجازًا، بينما توارى معناه الحقيقي عن الأنظار، فصرنا بالكاد نجد للاستحالة في تعبيراتنا أي معنى بمنأى عن المجاز، حتى إننا إذا بحثنا عن لفظ المستحيل على شبكة الإنترنت فإننا على الأرجح لن نجد غير الإسكندر الأكبر وهو يخبرنا بألّا مستحيل عند من يحاول، أو نيلسون مانديلا وهو يقول يبدو الأمر مستحيلًا حتى يتم، وسنلتقي بالفنانة أودري هيبورن وهي تقتلع ذريعة كتابة هذا المقال من جذورها حينما تقول لا شيء مستحيل فحتى أن كلمة Impossible تُقرأ I'm possible. أخبار رائعة بالفعل! وسنجد كذلك تعاليم المسيح[4] حين قال لتلاميذه «غير المستطاع عند الناس مستطاعٌ عند الله» لقد قالها بعد أن أخبرهم أن دخول جَمل في ثقب إبرة أيسر من دخول غنيّ للملكوت، ليبدوا تعجبهم وقتها من كيفية الخلاص، لأن على ما يبدو دخول الجمال في ثقوب الإبر أمرٌ مستحيل، عرفوا هذا على الأقل من المشاهدات الحياتية دون البحث بكل تأكيد في التبعات النظرية للكثافة الجنونية الّتي ستنتج عن تكديس كتلة الجَمل في مساحة ثقب الإبرة. أتت إجابة المسيح كما نرى محمّلة بتعريفٍ ما للمستحيل، على الأحرى هو الأكثر شعبية عند الإنسان العادي عبر العصور، إنه ببساطة ما لا نقدر على القيام به، لكنه مقدور عليه عند إلهٍ أو كائنٍ علويّ كلّي القدرة.

وهكذا يتوه المستحيل بمعناه الحقيقي في سيلٍ من المجازات، لكن ما هو المستحيل الحقيقي الذي يدخل تحت عباءة العلم ويعني العلماء بدراسته؟

في إطار التفريق بين المستحيل الحقيقي والمستحيل المجازي علينا أولًا أن نفرق كذلك بين العلم والرياضيات والهندسة من جهة، والميتا-علم والميتا-رياضيات والميتا-هندسة من جهة أخرى، فعلى سبيل المثال متطابقة أويلر الشهيرة هي موضوع يدخل في صلب الرياضيات، أما عبارة ريتشارد فاينمان الشهيرة أيضًا عن المتطابقة ذاتها، ووصفها بأنها المعادلة الأجمل على الإطلاق، هي عبارة «عن» الرياضيات ولكنها لا تدخل «في» صلب الرياضيات، أي أنها عبارة ميتا-رياضية وليست رياضية. وبالعودة إلى المستحيل سنجد عبارة على لسان المخترع الأمريكي تشارلز كترنج عن الأخوان رايت حين قال أنهما بطيرانهما قد اخترقا «ستار المستحيل الدخاني»، وبالرغم من تناول هذه العبارة لموضوع هندسي كالطيران فإنّ لا يمكن اعتدادها عبارة هندسية بمعنى أنها تدخل في صلب دراسة الهندسة، وإنما هي كما يتضح عبارة ميتا-هندسية، وبالتالي لا يختلف لفظ المستحيل فيها بالضرورة عن المستحيل الذي يطالبنا مانديلا بأن نتحداه.[5]

يقسم مؤرخ العلوم الدانماركي چاسبر لوتزن[6] المستحيل إلى ثلاثة أقسام: مستحيل إمبريقي، ومستحيل رياضي، ومستحيل فلسفي. المستحيل الإمبريقي هو مستحيل لغياب الأدلة الطبيعية (مثل: لا يوجد بجعة سوداء، أو لم نستطع بناء آلة تتحرك أبدًا) وهو في وضعه يعاني من مشكلة الاستقراء الّتي تطرقنا إليها، ولذا فهو ينتظر إما أن ينتفي مستقبلًا مع دليلٍ جديد (وجدنا البجعة السوداء!) أو تكنولوچيا جديدة (صنعنا الآلة ذات الحركة الأبدية) وإما أن ينتقل إلى خانة المستحيل الرياضي إذا وجدنا برهانًا نظريًا على استحالته (استطعنا إثبات استحالة وجود چين السواد في البجع منطقيًا، أو استحالة أن تتحرّك آلةٌ أبدًا) وإما أن يبقى الوضع كما هو عليه مسألةً مفتوحة. أما المستحيل الرياضي هو مستحيل تبرهنت استحالته رياضيًا (مثل نظرية فيرمات الأخيرة) فلا مجال لأي كلمة جديدةٍ تقال مستقبلًا،  إنه المستحيل الصارم الّذي لا يمكن التفاوض معه، والمستحيل الفلسفي هو أشبه بالمستحيل الرياضي إذ تبرهنت استحالته عبر حجة نظرية (مثل استحالة السفر عبر الزمن في مفارقة الجد الشهيرة، أو استحالة كائنٍ ذي قدرة مطلقة في مفارقة القدرة المطلقة لابن رشد) ولكنها غالبًا ما تكون ملتبسة بعض الشيء وينقصها نسق منطقي واضح ينتشلها من أزمات لغوية محتملة.

الاستحالة من رياضيي الإغريق إلى نظرية فيرمات الأخيرة

عند تناول تاريخ الإنسان مع نظريات الاستحالة ستواجهنا إشكالية تتعلق بتعريف نظرية الاستحالة وتمييزها عن النظريات الإيجابية أو العادية إن جاز التعبير، إذ أن المسألة تبدو متعلقة بالصياغة لا أكثر، فنظرية عادية مثل نظرية فيثاغورس يمكن أن تتخذ قالب الاستحالة إذا صيغت على النحو التالي: يستحيل إنشاء مثلث قائم دون أن يكون المربع المنشأ على وتره مساويًا في مساحته للمربعين المنشأين على ضلعي قائمته. ونظرية معروفة بأنها تنتمي إلى نظريات الاستحالة مثل نظرية فيرمات الأخيرة (لكل الأعداد الصحيحة  $a,b,c,n$ بحيث $n>2$ يستحيل تحقيق العلاقة $a^n + b^n = c^n$) يمكن أن نصيغها بطريقة تجعلها تبدو كنظرية إيجابية مثل: إذا كان  $a,b,c,n$  أعدادًا صحيحة تحقق العلاقة $a^n + b^n = c^n$ فإن  $0\le n \le 2$ . ومع ذلك فإن الفارق النفسي الذي تصدّره لنا كلتا النظريتين يظل واضحًا مهما عبثنا بالصياغة، ويرجع لوتزن[7] هذا الفارق إلى طبيعة المشكلة التي تبتغي النظرية (أيّ نظرية) حلها، وسببٌ آخر هو أن النظرية الّتي ننسبها إلى فئة الاستحالة دومًا ما تضرب حدس الإنسان ونظرته للأمور فتبدو النتائج على غير المتوقع أو كما تسمّى Counterintuitive، وهو ما لا تقدمه نظرية فيثاغورس بطبيعة الحال، على العكس من نظرية فيرمات التي ظلت حدسية مفاجئة منذ أن صيغت أول مرة في القرن السابع عشر وحتى أثبتت أخيرًا في تسعينيات القرن العشرين.

إشكالية أخرى تواجهنا عند النظر إلى تاريخ الإنسان مع الاستحالة هي أن من الصعب الإقرار بأول شيءٍ تبين الإنسان استحالته، فحتمًا قد لاحظ الإنسان البدائي العديد من المستحيلات الإمبريقية التي نسب القدرة على الإتيان بها إلى آلهة أو قوى علوية، كما حتمًا انتبه إلى مستحيلات رياضية بديهية مثل استحالة توزيع خمس ثمراتٍ على فردين بالتساوي دون تقطيع إحداها، لذا فالأفضل التطرق إلى أول مستحيل متناسق وصادم يبلغه الإنسان، وهو مستحيل ضرب المعرفة البشرية في قيمة كانت تظنها غير قابلة للمساس، قيمة جعلها فيثاغورس شعارًا لأخويته: كل شيء رقم.

المقصود بالرقم الموجود في شعار فيثاغورس هو الأعداد الطبيعية حيث اعتقد الفيثاغوريون بأن كل شيء يمكن تمثيله بأعداد طبيعية، فإما أن تكون الكمّية قابلة للتعبير عنها بعدد طبيعي مباشرةً (مثل 1، 2، 17، إلخ) وإما أن تكون قابلة للتعبير عنها بنسبة بين عددين طبيعيين (1:2، 9:7، إلخ) حتى أتى هيپاسوس الميتابونتولي[8] واكتشف مسألة عدم التوافقIncommensurability  عندما أثبت استحالة وجود عصا يمكنها قياس طول ضلع مربع وطول قطره معًا، إنها الحقيقة المعروفة في وقتنا ببساطة أن $\sqrt{2}$ عددٌ غير نسبي، لكن كانت نتيجتها آنذاك أنه قتل غرقًا على يد من لم يتحملوا التشكيك في اعتقادهم.

يتمثل عمل هيپاسوس ببساطة في أن فرضية وجود هذه العصا الّتي يمكن لضلع مربع أن يساوي مثلها عددًا من المرات، ولقطر نفس المربع أن يساوي مثلها عددًا (آخر) من المرات، ستؤدي بالنهاية عبر تتابع من القضايا المنطقية إلى تمثيل القطر بنسبة بين عددين زوجيين، ومهما اختصرنا حدّي النسبة فسيظلّان زوجيين أبد الدهر، وكأن كلًا منهما مضاعفًا لانهائيًا للعدد $2$. إنه مستحيل صارم، إنه ليس هدًّا للجبال ولا إيلاجًا للجِمال في ثقوب الإبر، ليس مبالغة خيالية في قدرات ما موجودة أو رفعها إلى حدٍ خارقٍ للطبيعة، لكنه مستحيل أدّى إلى مفارقة عقلية وتناقض منطقي، حتى أشد المؤمنين إيمانًا لن يجد من السهولة أن ينسب لإلهه القدرة على تحقيق هذا المستحيل.

وعلى مر العصور انحصرت الاستحالة في استحالة وجود كائن رياضياتي ما، مثل العدد $n>2$ في نظرية فيرمات الأخيرة، أو في استحالة إجراء عملية هندسية ما (طبعًا المقصود إجراؤها بالاعتماد فقط على فرجار ومسطرة)، مثل تربيع الدائرة (رسم مربع مساويًا في المساحة لدائرة معطاة) أو تثليث الزاوية (تقسيم زاوية إلى ثلاثة أثلاث)، وهي عمليات حاول إجراؤها من حاول منذ زمن فلاسفة الإغريق إلى أن ثبتت استحالتها أخيرًا في القرن التاسع عشر على يد پيير ڤانتزل وغيره ممن استغلوا التطورات الأخيرة في مواضيع الجبر المجرّد كنظرية جالوا.[9]

ربما من أغرب أنواع الاستحالات ما جرى مع مسلّمة إقليدس الخامسة، فإقليدس وضع لمبادئ الهندسة خمس مسلّمات افتُرض أن أي نظرية هندسية يمكن إثبات صحتها (أو خطأها) انطلاقًا من المسلّمات الخمسة، غير أن كثيرين وجدوا المسلّمة الخامسة تبدو أكثر تعقيدًا من سابقاتها الأربع، حتى إن شيئًا يشذّ فيها عند رصّ المسلّمات كتابةً، فبعد أول أربع مسلمات على النحو الآتي:

1. بين أي نقطتين يمكن رسم قطعة مستقيمة.

2. أي قطعة مستقيمة يمكن مدّها لانهائيًا في خط مستقيم.

3. أي قطعة مستقيمة تصلح لتكون نصف قطر في دائرة مركزها إحدى نهايتي القطعة.

4. كل الزوايا القائمة متساوية في القياس.

تأتي الخامسة لتقول:

 5. إذا قطع خطّين مستقيمين قاطعٌ محدثًا زاويتين على جانبٍ واحدٍ ومجموع قياسيهما أقل من مجموع قائمتين فإن الخطّين سيلتقيان في نقطة لا محالة.

يبدو اختلاف المسلّمة الخامسة واضحًا، فهي تأتي كخاتمة نشاز للحن إقليدس، يتفجّر إحساسٌ بأنها لا تحتاج أن تكون مسلّمة في ذاتها، إنها تبدو أعلى من سابقاتها ببضع درجاتٍ من التعقيد، وبالتالي يلائمها أكثر ألا تكون مسلّمة، وأن من الممكن استنتاجها على نحوٍ ما من الأربع الأوائل، إقليدس نفسه استخدم المسلّمات الأربعة الأولى فقط في أول 28 مقترحًا لكتابه العناصر Elements، قبل أن يضيفها معلنًا يأسه من محاولات استنباطها، حاول الكثيرون من بعده كذلك (مثل ابن الهيثم وچون واليس) استنباط المسلّمة الخامسة لكن لم يوفّق أحدهم، إلى أن ظهرت أعمال جاوس وريمان وآخرين، حيث خرج إلى النور ما يسمّى بالهندسات اللاإقليدية، وهي هندسات تتبع المسلّمات الأربع الأولى دون الخامسة.[10] وجود هذه الهندسات يثبت ببساطة استحالة استنتاج المسلَّمة الخامسة من أول أربعة، ما حدث هنا قد يكون غريبًا بحق، ما أُثبتت استحالته هذه المرة ليس كائنًا رياضيًا ولا عملية هندسية، وإنما ما أُثبتت استحالته هو الإثبات في حد ذاته، إثبات صحة أو خطأ فرضية ما من نسقٍ من المسلّمات، إنه أمرٌ قد يصير ملهمًا للخوض في دروبٍ على قدرٍ من الخطورة.

بين المشكلات الرياضية واللغوية: نظرة على أشهر المفارقات

كما رأينا في عمل هيپاسوس فإن الوصول إلى التناقض عبر الحجج المنطقية يعدّ أهم الأسلحة لإثبات الاستحالة، وعبر تاريخ الممارسات العقلية للإنسان لوحظ إن الانتقال السلس من البديهي للغريب، أو من الواضح للمتناقض، أو من النسق السليم للمعيب، يعد أداةً منطقية بديعة للتقدم الفكري، إنه ما اتُفق على تسميته بالمفارقة Paradox، دون أن يُتّفق على تعريفه تعريفًا تامًا، فالمصطلح هو تركيب من كلمتين يونانيتين para أي: ما وراء، doxos أي: التصديق، وما وراء التصديق ذاك يمكن أن يكون ما يبدو غريبًا أو متناقضًا وهو في الحقيقة صحيح، أو على العكس أمرًا يبدو صحيحًا وهو ينطوي على تناقض، فالتعريف الأول ينطبق على المفارقات في العلم الحديث مثل مفارقة التوأمين في النظرية النسبية أو مفارقة قطة شرودنجر في فيزياء الكم، أما التعريف الثاني فينطبق أكثر على المفارقات القديمة مثل مفارقة زينون.[11]

يقول بيرتراند راسل أن علامة الفلسفة الجيدة هي أن تبدأ من قضية في غاية البداهة لتودي في النهاية إلى استنتاجٍ صعب التصديق، ويقول عالم النفس والرياضياتي الأمريكي أناتول راپوپورت أن المفارقات قد لعبت دورًا دراميًا في تاريخ العقل، فحينما نكتشف مسألة لا يمكن حلّها داخل إطار المبادئ الموضوع، فإننا نصاب بالصدمة، صدمة كفيلة بإعادة النظر في مسلّماتنا.[12] ربما نلاحظ هذا جليًا في مفارقة زينون، ذلك الفيلسوف من عصر ما قبل سقراط الذي صاغ سيناريو يفشل فيه أخيل البطل الأسطوري من التغلب على سلحفاة في سباق! وبالطبع فقد تجاوزنا هذه المفارقة من زمن بعيد، حين تخلصنا من حدسيتنا الخاطئة بأن مجموع عدد لا نهائي من الحدود ينبغي أن يكون قيمة لانهائية، هي معرفة نشأ على إدراكها علم التفاضل والتكامل الذي يعد أساسًا لكل العلوم الحديثة.

ولم تنحصر المفارقات في العلوم والفلسفة، فهي تظهر أيضًا في الأدب والفنون، والسبب واضح، فالمفارقات مثيرة، ممتعة، وجاذبة للانتباه. وفي الفنون البصرية تحديدًا امتلك الإنسان ملَكة أن ينفصل عن الواقع، أطلق العنان لخياله في خطوطه التجريدية والسيريالية، لعلها قفزة تطورية أخرى تميّز الإنسان باعتباره الكائن القادر على تخيّل ما لا يمت للواقع بصلة. امتازت الفنون البصرية كذلك بتصوير العناصر المستحيلة، ربما كانت البداية مع أوسكار رويترسڤارد عندما صمم المثلث المستحيل Tribar عام 1934، تلتها أعمال ماورتس إيشر الّذي تخصص في تصميم الكائنات المستحيلة مثل المكعب المستحيل عام 1958، ولوحاته الّتي تخلق أوضاعًا مستحيلة بالتلاعب في المنظور مثل لوحة النسبية Relativity عام 1953، ولوحة الشلال Waterflow عام 1961 وغيرها. تمكّن المنقبون في الفن كذلك من رصد أجسام مستحيلة في أعمالٍ قديمة، لعل أقدم مثال في لوحة مادونا والطفل في منمنمات هنري الثاني من القرن الحادي عشر، حيث يظهر عمودٌ بالأعلى من خلف العذراء ليحتجب وراءها قبل أن ينتهي بالأسفل على أرضية أمامها، وبالطبع من المستحيل الإقرار بأن تلاعبًا على هذا النحو مقصودٌ أم لا، لكن أول مثالٍ مقصودٍ على الاستحالة البصرية -وإن كان في سياقٍ مختلف- سنجده في لوحة المنظور الخاطئ False Perspective لفنان القرن الثامن عشر ويليام هوجارث، الّذي نقش مجموعة من أخطاء المنظور المبالغ فيها، وعلّق تحتها منتقدًا أخطاء الرسامين في زمانه: كل من يصمّم دون دراية بالمنظور سيقع في هذه السخافات. ونلحظ أن المفارقات البصرية قد لعبت دورًا في تطوّر تناول العقل البشري للمستحيل، فهو الآن لا يرى الاستحالة من حيث هي مبالغة في قوى الطبيعة، وإنما استطاع التجرد من الطبيعة، واللعب بالتحليل المكاني للممكن وغير الممكن في هندسة العالم.[13]

على الخلاف من المفارقات البصرية، الّتي تظهر الأشياء الخاطئة في هيئة توحي بأنها سليمة، تأتي المفارقات في العلوم لتضع حقائق غريبة في هيئة موحية بالخطأ، ولأن من الممكن اختزال العلوم -الاستنباطية منها على الأقل- إلى الرياضيات، ومن ثم اختزال الرياضيات إلى المنطق، ولا يمكن اختزال المنطق، فإن كل المفارقات هي مفارقات منطقية، ولكن بما أن المنطق يأتي دومًا في ثياب اللغة فليس من البديهي الإقرار بأن مفارقةً ما منطقية فعلًا أو لغوية، ولعل أشهر وأهم الأمثلة على المفارقات اللغوية -بل ربما هو المثال الوحيد وبقية المفارقات ما هي إلا تنويعات عليه- هو مفارقة الكاذب، أو مفارقة كريت، حيث تنسب لإيپيمينيدس -وهو شخصية إغريقية شبه أسطورية من كريت- عبارة «كل الكريتيين كاذبون»، وقد أشيرت إلى تلك العبارة في رسالة بولس إلى تيطس «كل الكريتيين كاذبون، قالها واحد منهم»[14]، وستلمع في العقل المفارقة مباشرةً، فإذا صدقت العبارة وقائلها كريتي فهذا يجعله كاذبًا وبالتالي عبارته كاذبة. توجد تفريعات كثيرة من هذه المفارقة مثل مفارقة پينوكيو، ذلك الولد الخشبي الذي يطول أنفه كلما كذب، مما يتيح أن يتولّد تناقضٌ صارخٌ إذا قال پينوكيو «سيطول أنفي الآن»، ورغم تعدد المعالجات السينمائية لقصة پينوكيو فلم نرَ الفتى الخشبي شريرًا كفاية في إحداها ليتعمّد إحداث عطلٍ هائلٍ في بنية واقعه، تنويع آخر هو مفارقة الحلاق التي تتساءل: إذا كان حلاق القرية يتولى الحلاقة لكل سكان القرية الذين لا يحلقون لأنفسهم فمن يحلق لحلاق القرية؟ تنويع ثالث ذلك الّذي يجعل العبارة عبارتين، الأولى بالأعلى وتقول «العبارة بالأسفل خاطئة» والثانية بالأسفل وتقول «العبارة بالأعلى صحيحة»، تلك النسخة تحديدًا ستجعل الفيزيائي الأمريكي دوجلاس هوفشتادر يرى أن لوحة رسم الأيادي Drawing Hands لإيشر ما هي إلا المعادل البصري لها.[15] وهكذا تبدو كل تنويعات مفارقة الكاذب على نفس المنوال، فهي تنتج خللًا إذا صدقت وإذا كذبت، فإيجابها يقود إلى سلبها، وسلبها يسوق نحو إيجابها، هي تتناول الموضوع والميتا-موضوع في آنٍ واحد، إنها توحي بوجود صدع في جدار المنطق، لكننا قد نغفل أن المشكلة تظهر في محض لغة، والعبارات اللغوية ليس من الضروري أن تحمل قيمة حقيقة (صواب أو خطأ)، نحن نعرف بالفعل عبارات لغوية لا تحتمل الصدق أو الكذب هي ما نسميها بالأساليب الإنشائية، مثل «ابق مرتويًا»، لذا فمن الممكن للجمل الخبرية أيضًا ألا تجد ما يمنع افتقادها إلى قيمةِ حقيقة، أو بلغة المنطق الضبابي Fuzzy Logic تحمل قيمةً وسطًا بين الصواب والخطأ، أو بلغة ميكانيكا الكم أن تكون في حالة تراكب من الصواب والخطأ، فاللغة لعبة ونحن من يضع قواعدها كما سيقول لوتڤيج ڤتجنشتين فيلسوف اللغة النمساوي في القرن العشرين. لكن بإلصاق التهمة للّغة، هل ستكون الأنساق المنطقية والرياضية في مأمنٍ حقاً؟

لوحة رسم الأيدي لإيشر جنبًا إلى جنب مع مفارقة العبارتين

إن أول ظهور لمفارقة الكاذب في نسق رياضي جاد نجده في مفارقة راسل، تلك المفارقة التي هزّت الوسط الرياضي والعلمي في مستهلّ القرن العشرين، قال عنها راسل أنها كانت تبقيه أمام ورقة فارغة طوال اليوم، لينتهي اليوم وتظل فارغة[16]، لقد ضُرب بها المثل في التناقض والحث على الدوار، حتى أن كاتب الخيال العلمي إسحاق أزيموڤ جعلها تسلية المشاغبين في محاولاتهم لإرباك العقل الإلكتروني الجبّار في قصته القصيرة كل اضطرابات العالم All the Troubles of the World، ولكنها في النهاية التنويع الخاص بنظرية المجموعات من مفارقة الكاذب، وتحديدًا من نسخة الحلاق، فهي تتساءل: إذا كانت المجموعة $A$ تضم كل المجموعات التي لا تضم نفسها، فهل تضم $A$ نفسها؟ يبدو التناقض واضحًا، فإذا ضمت $A$ نفسها تكون قد ضمت مجموعة تضم نفسها بالمخالفة للتعريف، وإذا لم تضم نفسها ستصير عندنا مجموعة لا تضم نفسها وغير موجودة في $A$ بالمخالفة أيضًا للتعريف، التناقض هنا أساسي وخطير ويهدد بشق هائل في الرياضيات، لا مجال لاتهام اللغة، وإنما يكمن الحل في إيجاد نسق من المسلمات يمنع $A$ من الوجود أصلًا، وهو بالضبط ما صنعه أرنست زيرميلو وأبراهام فرانكل في نظريتهم للمجموعات، حيث أضافا شرطًا لتعريف المجموعة وهو أن تكون جزئية من مجموعة معرفة سلفًا، وهو ما لا ينطبق على $A$ مما ينهي الإشكال. حلت مسلَّمات زيرميلو-فرانكل مشكلات نظرية المجموعات لكن التأثير الثقافي لمفارقة راسل وإلهامها لاستكشاف أوجه القصور في الهياكل المنطقية يبدو أنه استمر لأبعد من هذا.

لعبت المفارقات التالية لمفارقة راسل على وتر الخلط بين المشكلات الرياضية واللغوية، مثل مفارقة بيري التي أبرزت عدم صلاحية اللغات الطبيعية لتعريف الكائنات الرياضية، لأن عبارة «أصغر عدد صحيح موجب لا يمكن وصفه بأقل من خمسين حرفًا» هي في حد ذاتها من أربعين حرفًا، وبالتالي مثل كل المفارقات السابقة وجود هذا العدد سينفي وجوده. محاولة أخرى أكثر جدية قام بها چوليس ريتشارد مستغلًا حجة كانتور القطرية، وهي حجة عرضها الرياضياتي الألماني الشهير چورچ كانتور المهووس باللانهائية وما بعدها.

حجة كانتور أثبتت استحالة سرد الأعداد الحقيقية (أو حتى الأعداد الحقيقية بين الصفر والواحد فقط) في قائمة، أو بتعبير أكثر رسمية، أن الأعداد الحقيقية غير معدودة uncountable، حيث تفترض الحجة أننا استطعنا على نحو ما وبترتيب ما إعداد قائمة لانهائية بكل الأعداد الحقيقية، فسيظل بإمكاننا خلق عدد حقيقي $a$ لا مكان له في القائمة إذا عرّفناه بأن جزءه الصحيح صفر والرقم في خانته العشرية $n$ يساوي الرقم الموجود في الخانة العشرية $n$ في العدد ذي الترتيب $n$ في القائمة مضافًا عليه واحد (أي الصفر يصير واحدًا والواحد يصير اثنين وهكذا، والتسعة تعود إلى الصفر) بهذه الطريقة سيختلف العدد $a$ عن كل عدد في القائمة في خانة عشرية واحدة على الأقل. إنها نتيجة هائلة، إذ أن حتى اللانهاية لا تكفي لرصّ كل الأعداد الحقيقية تتاليًا.[17]

حجة كانتور القطرية، لا مكان للعدد a في القائمة المفترضة

وإذا كانت المشكلة التي أبرزها كانتور هي استحالة وجود قائمة بكل الأعداد الحقيقية لأنها غير معدودة، فإن ريتشارد سيأتي بقائمة من عناصر معدودة، وهي كل العبارات باللغة الطبيعية التي تصف أعدادًا، مثل «نصف العدد سبعة» أي: $3.5$، و«عدد بطولات دوري الأبطال التي حصل عليها ريال مدريد» أي: $14$ (على الأقل حتى وقت كتابة هذا المقال) ونحن نعرف أنها معدودة حتى وإن كانت لانهائية لأننا نعرف طريقة مُعرّفة تعريفًا تامًا لترتيبها، وهي أن نرتّبها من الأقل إلى الأكثر حسب عدد الحروف، ثم نرتّب العبارات المتساوية في عدد الحروف أبجديًا، صحيح أن أعدادًا حقيقية لن تجد لها عبارات تعبّر عنها (الأعداد الحقيقية غير معدودة أي أنها أكثر بكثير من العبارات المعدودة) وصحيح أن أعدادًا ستتكرر (إذ يمكن التعبير عن عددٍ ما بأكثر من عبارة) لكن لا مشكلة ما دامت القائمة معدودة العناصر في النهاية، والآن أي عبارة تمثل عددًا يجب أن نجدها في تلك القائمة، لكن المفارقة ستحدث حينما نصيغ عبارة تصف عددًا على شاكلة العدد $a$ في حجة كانتور، هنا الوضع أسوأ، فالقائمة معدودة، ومع ذلك لم نجد فيها مكانًا لعبارتنا الجديدة.[18]

مرة أخرى، حدثت مفارقة ريتشارد بسبب قصور اللغة في التعبير عن نسق رياضي متماسك، فلا توجد طريقة معرّفة تعريفًا تامًّا لتبيّن ما إذا كانت العبارة تعبّر حقًّا عن عدد أم لا، فقائمتنا من المفترض أن تضم كل العبارات الّتي تعبّر عن أعداد، وبالتالي عبارات مثل «ابق مرتويًا» و«لندن عاصمة إنجلترا» غير موجودة في القائمة، فماذا يؤكد أن العبارة الّتي أثارت الأزمة تلك موجودة فيها؟ إنها توحي بأنها تعبر عن عدد، لكن ماذا عن العبارة في مفارقة بيري؟ ألا تبدو تعبّر عن عدد أيضًا؟ تستمر الأزمة في اللغات الطبيعية لأننا لا نعرف فيها معرفة تامة إذا ما كنّا نتناول الرياضيات أم الميتا-رياضيات، لذلك لم تؤثر مفارقة ريتشارد في تناول الاتساق الرياضي تأثيرًا مباشرًا، لكنها من ناحية أخرى ستُلهم واحدًا من أهم الأعمال على الإطلاق في تناول الاستحالة والاتساق المنطقي.

طعنة الرياضيات لنفسها: عدم الاكتمال لجودل

عندما حضر الرياضياتي الألماني ديڤيد هيلبرت الكونجرس العالمي للرياضيات عام 1900 كان محملًا بتحدٍ عمره أكثر من ربع قرن، من العالم والطبيب إيميل دوبوا ريموند الذي أطلق في مقالةٍ عام 1872 بعنوان حدود العلم Uber die Grenzen des Naturerkennens إعلانًا رآه هيلبرت تشاؤميًا، تمثل الإعلان في عبارة لاتينية رنّانة هي  ignoramus et ignorabimus إجنوراموس إت إجنورابيموس، وهي تعني «لا نعلم، ولن نعلم»، وكما توحي العبارة فرؤية الطبيب الألماني واضحة، المعرفة البشرية محدودة، فسيصطدم سعي الإنسان للمعرفة الكاملة بثلاث عوائق على الأقل هي عائق المادة-الطاقة وعائق أصل الحركة وعائق الوعي، أما مواطنه هيلبرت فوقف محاضرًا في المؤتمر الذي أقيم في پاريس مفعمًا بالتفاؤل، مخاطبًا الحضور باستنكارٍ لاذعٍ لمن سقطوا في فخ التشاؤم، فهو يرى أن على الأقل في الرياضيات ستُجاب كل المسائل، وهيلبرت بالطبع لم يكن مغفلًا، فهو يعلم بالتأكيد أن في الرياضيات مطاليب لا جواب لها، ولكنه يتحدث باعتبار أن الاستحالة جوابٌ مقبولٌ في ذاتها، لذا ختم خطابه متهكمًا «عندنا لا يوجد إجنورابيموس، شعارنا سيكون: يجب أن نعلم، وسنعلم»[19] كانت هذه بداية مشروع هيلبرت التأسيسي للرياضيات، لم يكن يعلم الألماني المتفائل آنذاك باسم كيرت جودل لأنه ببساطة لم يولد بعد، ذلك الشاب النمساوي المجري الذي في غضون ثلاثين عامًا سيتسبب في إجهاض هذا المشروع.

حين دخل القرن العشرين عقد ثلاثينياته، كان جودل صاحب الأربعة والعشرين عامًا قد قدّم لتوّه أطروحته للدكتوراة التي احتوت على نظرية الاكتمال، حيث أثبت فيها جودل اكتمال المنطق البسيط، أو ما يعرف بمنطق الدرجة الأولى، فإذا كانت قضية ما صحيحة في كل نماذج نظرية منطقية ما فإنه يمكن إثباتها من هذه النظرية، وهو أمرٌ يبدو في ظاهره في صالح مشروع هيلبرت المتفائل، بل إن ما أثبته جودل لربما يعد أمرًا مفروغًا منه، فما من حالمٍ ببلوغ كامل المعرفة سينطلق من التشكيك في أبسط أدواته العقلية كالمنطق العاري، غير أن أطروحة جودل في حقيقتها تنطوي على شيء خطير لمن يتأمل، فإثبات اكتمال قواعد المنطق البسيط جاء على قدرٍ مثيرٍ للقلق من التعقيد، إذ أن ما كنا نظنه مقطوعًا به يبدو أنه ليس على هذه الدرجة من البداهة، وكأن نظرية الاكتمال قد حفرت من نقطةٍ عمياء طريقًا سيؤدي امتداده إلى نتيجة غير متوقعة[20]، وهو بالضبط ما سيحدث في مؤتمر كونيجسبرج لعام 1931.

جلس يومها الرياضياتي والفيزيائي الشهير چون ڤون-نيومان ضمن الحضور ممثلًا عن مشروع هيلبرت، وما إن بلغ استعراض جودل لبحثه الأخير نقطةً تبيّنت فيها معالمه، حتى أدرك العالم المجري الكبير أن المشروع المتفائل قد انتهى إلى غير رجعة، وأن شبح الإجنورابيموس قد بزغ أقوى من ذي قبل، سيصف ڤون-نيومان عمل جودل بعد المؤتمر بأنّه متفرّد، وضخم، وعلامة فارقة ستظل مرئية عبر الزمان والمكان.[21]

انطوى بحث جودل الأخير على نظريتين هما نظريتا عدم الاكتمال الشهيرتان، الأولى تقول أن أي نظام منطقي متسق قائم على المنطق الحسابي هو غير كامل، أي أن هنالك قضايا صحيحة ستنشأ من لغته وستكون غير قابلة للإثبات، نظرية عدم الاكتمال الثانية تقول أننا لا يمكن إثبات اتساق النظام من داخل النظام نفسه.

لقد تأثر جودل بمفارقة ريتشارد، لكنه أيضًا استوعب النقد الموجّه إليها وإلى ما هو على شاكلتها، أي أفخاخ اللغة الطبيعية والانفصال بين الرياضيات والميتا-رياضيات، لذا تمثّل نجاح جودل في أنه جعل الرياضيات تستوعب الميتا-رياضيات عندما صمّم ما يعرف بترقيم جودل[22] Godel Numbering، إنها أشبه بطريقة تشفير تحوّل كل رمز $h$ مستخدم في لغات المنطق الحسابي إلى عددٍ طبيعي ما سنسمّيه عدد جودل $G(h)$، وبما أن أي عبارة أو قضية منطقية $s(x)$ هي تجميع من عدة رموز متجاورة (بما فيها المتغير الحر $x$) فسيعمل نظام الترقيم كذلك على تحويلها بدورها إلى عدد جودل آخر $G(s(x))$ مبنيٍّ على عمليات حسابية معينة بين أعداد جودل الّتي تمثل الرموز المحتواة فيها، وبما أن الحجة المنطقية أو الإثبات $p$ هو تعاقب من قضايا منطقية فسيعمل نظام الترقيم تحويله هو الآخر إلى عدد $G(p)$ بناءً على أعداد جودل الّتي تمثل القضايا المسرودة فيه. ميزة هذا الترميز أنه معرّفٌ تعريفًا تامًا، أي لكل رمز ولكل عبارة ولكل إثبات عدد جودل مقابل، كما أن الطريق ذهاب وإياب، أي بمعرفة عدد جودل سنتمكّن من إعادته سيرته الأولى، رمزًا أو قضية أو حتى إثباتًا كاملًا.

إن كون تشفير جودل ذاك معرّفًا تعريفًا سليمًا وتامًا يعني أن مبادئ الرياضيات الآن صارت موضوعًا داخلًا في صلب الرياضيات، بات بإمكاننا تناوله كتناولنا لأي موضوع رياضي آخر، لقد تحصّلت الرياضيات على تصريحٍ بالحديث عن نفسها، وها قد أتى دورنا لنسمع ما سيستنطقها كيرت جودل به. فمثلًا إذا كان إثباتٌ ما $p$ يثبت قضيةً ما $s$ يمكننا أن نجعل هذا الأمر محض علاقة رياضية $R$ بين عددي جودل الممثلين لذلك الإثبات وهذه القضية، فنقول $R(G(p),G(s))$، والآن لنقول أن قضيةً ما $s$ يمكن إثباتها، فهذا يعني أن عددًا ما $n$ يمكن أن يحقق العلاقة $R(n,G(s))$ لأن ببساطة هذا العدد سيلعب دور عدد جودل الممثل للإثبات، ومن هنا سيفترش الطريق لجودل ليبلغ التناقض المنتظر.

لنفهم ما صنعه جودل لنقول أن ثمة علاقة أخرى $Q$، بحيث أن $Q(n,G(F))$ تتحقق إذا كان $n$ ليس عدد جودل للقضية المنطقية $F(G(F))$، ومكمن الخطورة في أن $F$ الآن ليست قضية متعلقة بمتغيّر حر $x$ وإنما متعلقة بعدد بعينه، هو $G(F)$، إنه عدد جودل الخاص بـ $F$ نفسها.

والآن، لنصيغ قضية جديدة $P(x)$ كالآتي:

$P(x) \equiv \forall n\in\mathbb{N}, Q(n, x)$

أي أن كل الأعداد الطبيعية تحقق العلاقة $Q$ مع المتغيّر $x$. ها قد بدأت الأمور تتصاعد، والآن ستتفجّر تمامًا حينما نعوّض عن $x$ بعدد جودل الممثل للقضية $P$ نفسها، أي $G(P)$، فنسحصل على الآتي:

$P(G(P)) \equiv \forall n\in\mathbb{N}, Q(n, G(P))$

وإن لم تعرِ انتباهًا بما يكفي، فإن القضية $P(G(P))$ هي إيپيمينيدس الكريتي الّذي خلقه جودل، إنها تقول أن كل الأعداد الطبيعية تحقق العلاقة $Q$ مع $G(P)$، وإذا استرجعنا تعريف $Q$ فإن هذا يعني أن ما من عدد طبيعي يمكن أن يعتبر عدد جودل الخاص بإثبات القضية $P(G(P))$ أي أنها قضية بلا إثبات، فلو صحّت القضية الأخيرة فهي بلا إثبات، أما لو خطأت فهذا يعني أنها يمكن إثباتها رغم خطئها، وهي مصيبة أكبر لأن هذا يعني أن المنطق الحسابي غير متسق أصلًا!

هكذا أثبت جودل نظرية عدم الاكتمال الأولى، ولإثبات النظرية الثانية فقد انطلق مما وصلت إليه الأولى، فكما رأينا اتساق النظام يعني عدم اكتماله، أي أن الاتساق سيتيح وجود قضية حقيقية غير قابلة للإثبات وهي القضية $P(G(P))$، ولكن لأن القضية$P(G(P))$ هي إيپيمينيدس الخاص بنا، فاعتدادها غير قابلة للإثبات هو نفسه (أي هذا الاعتداد نفسه) صلب القضية $P(G(P))$ أي أن اتساق النظام لو حدث فسيثبت جسم القضية$P(G(P))$ الّتي أثبتنا لتوّنا أنها غير قابلة للإثبات، وبالتالي سيتحتم على اتساق النظام هو الآخر أن يكون غير قابل للإثبات![23]

لقد أخرج جودل نوعًا جديدًا من الاستحالة، ليست استحالة كائن رياضياتي ولا عملية هندسية، وإنما استحالة وجود نظام متسق ومتكامل في آن، لقد أصابت الطلقة الّتي لطالما حامت في المفارقات اللغوية، لقد جعل جودل من الميتا-رياضيات رياضيات، لقد تمكّنت الرياضيات أخيرًا من أن تعي بنفسها وتتلمّس مواضع في جسدها، والعجيب أن أول ما فعلت حينها كان أن طعنت نفسها. ستثير نتائج جودل الكثير من الجدل، سيصف الرياضياتي الفرنسي أندريه ويل الوضع بعد جودل في عبارة لطيفة «الله موجود لأن الرياضيات متسقة، الشيطان موجود لأننا لا نستطيع إثبات اتساقها»[24]، المنطقي الكندي سيمون كوهين سيشبّه أعمال جودل بأعمال الأديب الكبير فرانز كافكا، فكلاهما على حد تعبيره «يدخلانا عالمًا غريبًا بقفزات خيالية هائلة مقترنة بتثاقلٍ مقبولٍ تمامًا»[25] أما الفيلسوف لوتڤيج ڤتجنشتين فلن يتقبل كلام جودل على الإطلاق وسيصفه بـ«ألاعيب وشعوذة بالمنطق»[26] لأنه لا يقبل أن يكون «الحسّ المنطقي» غير مكتمل. كيرت جودل هو نموذج حرفي للعبقري المجنون، إنه من النوع الّذي يرى الرياضيات في كل شيء، سيرغب في برهنة وجود الله رياضيًا، وأن يثبت ثغرة في دستور الولايات المتحدة منطقيًا، وكنهاية حزينة ولكنها للأسف مناسبة لمثل هذا القالب سيصاب بفوبيا تسمُّم تمنعه من أن يأكل من عمل أي شخص غير زوجته، لذا حينما ستمرض الأخيرة سيموت جوعًا، ويرحل عن عالمٍ غيّر في نظرتنا لبنيته المجرّدة إلى الأبد.

حين انتقلت الاستحالة إلى الواقع العملي: مسألة التوقف لتورنج

كالمتوقع، كان عمل جودل بمثابة دفعة أحدثت ما يشبه بتأثير الدومينو في الأوساط الأكاديمية، فبعد عامين فقط تمكّن الپولندي ألفرد تارسكي[27] من إثبات أن حقيقة قضية رياضية (صحتها من عدمها) ليس موضوعًا رياضيًا، فإذا تمكّنت الرياضيات من تناول نفسها بشكل تركيبي syntactic كما أرانا جودل فإنها لا تتمكّن من أن تتناول نفسها بشكل معنوي semantic، بكلماتٍ أخرى: نحن لا نعرف عماذا نتحدث! واستراتيچية تارسكي مشابهة طبعًا إلى منوال المفارقات المعتاد، في البداية سنقول أن لو المعنى موضوع رياضي إذن يمكن أن تتوفّر قضية$T(x)$ تصحّ فقط إذا كان $x$ عدد جودل لقضية صحيحة، بمعنى أن $T(G(A))$ تصح فقط إذا صحّت $A$، والآن وباستخدام $T$ سنتمكّن من تعريّف القضية $S(G(A))$ على أنها تصحّ فقط إذا كانت $A(G(A))$ قضية خاطئة، وسيرتقي الكريتي الكاذب سلم البرهان مرة أخرى عند تعويض$S$مكان $A$.

بعدها بأربع سنوات سيأخذ البريطاني آلان تورنج ذات الاستراتيچية لإثبات استحالة حل مسألة أخرى، هي مسألة التوقف[28] Halting Problem، وهي مسألة شهيرة في علم الحاسب، تتعلّق بإنشاء برنامج (خوارزمية) بمقدوره أن يعرف إذا كان برنامج ما سيتوقف عند نقطة زمنية معينة أم سيبقى إلى الأبد، فكرة تورنج يمكن تمثيلها بالتالي، لنفترض أن برنامجًا $H$ كهذا موجود، سيأخذ برنامجًا آخر $P$ كمُدخل ثم سيقرّر ما إذا كان $P$ سيتوقف أو لا، كالآتي:

$H(P) = \begin{cases} 0 & \text{if P will loop forever}\\ 1 & \text{if P will halt}\end{cases}$

وبناءً على هذا التعريف يمكننا تعريف برنامجًا آخر $F$ كالتالي:

$F(P) = \begin{cases} \text{halts} & \text{if H(P) = 0}\\ \text{loop forever} & \text{if H(P) = 1}\end{cases}$

وعلى نفس المنوال يمكننا تعويض $F$ مكان $P$، لنتحصّل على الوجبة المعتادة، مما ينتج أن $H$ يجب ألا يوجد من الأساس، وبالتالي لا إمكانية لمعرفة إذا كان أي برنامج سيتوقف أم سيكون نسخة حاسوبية من سيزيف.

إن علم الحاسب مبنيّ على مسلمّات المنطق النظري لكنه في الوقت ذاته متعلّق بتطبيقات نتعامل معها يوميًا، لذا فإن نتيجة تورنج تختلف عن نتائج جودل وتارسكي في أنها ستتقاطع شئنا أم أبينا مع الحس العام للشخص العادي في عصرنا الذي يرى بأن التكنولوچيا الرقمية تتطور يومًا بعد أخر، لذا فمن غير المتوقع counterintuitive أن تظل مسألة سهلة الوصف بكلمات بسيطة كتلك عصيّة على الحل، إنها ليست المرة الأولى الذي يدرك فيها الإنسان أن أشياء بعينها ستظل مستحيلة التحقيق، وليست أول مرة تنتقل فيها الاستحالة إلى الواقع العملي، لكن يبدو أن حسّ الإنسان العام هو ما تطوّر، وتطورت معه النتائج المفاجئة. في فيلم المخرج ستانلي كوبريك 2001: A Space Odyssey (1968) توجد لقطة قطع شهيرة حينما اكتشف سلف الإنسان استخدام العظام والحجارة كسلاح، ثم انتقال بصري من قطعة العظم إلى مركبة الفضاء، لنرى إنسان المستقبل في مركبة فضائية متجهة إلى القمر، إنه تاريخٌ مهيبٌ من الإنجاز، يوازيه تاريخٌ مهيبٌ من العجز، كان يمكن للقطة القطع أن تكون بين سلف الإنسان الذي اكتشف استحالة توزيع خمس ثمرات سليمات بالتساوي على فردين، وبين إنسان العصر الذي اكتشف استحالة حل مسألة التوقف مهما بلغنا من تكنولوچيا ومهما بلغت حواسبنا من قوة. أطلق تورنج وعلماء الحاسب من بعده مفهوم الهايپركمپيوتر[28] Hypercomputer على مجموعة نماذج الحوسبة القادرة على حل المسائل غير القابلة للحل بالخوارزميات المعرّفة (نماذج مبنية على المنطق الضبابي مثلًا) إنه يشبه انتقال الفكر البشري من الكائنات العلوية والمفاهيم ما وراء الطبيعية التي نسب إليها الإنسان القديم الإتيان بما لا يستطيع، إلى مفهوم «ما وراء منطقي» فغير المستطاع عند المنطق البسيط وآلة تورنج، مستطاعٌ عند الهايپركمپيوتر.

خاتمة: عن ميكانيكا الكم وفي معنى الوقوف على حافة المستحيل

بالحديث عن ما هو ضد الحدس أو غير متوقع counterintuitive فلا منافس لتلك الأرضية الّتي دخل في غمارها إنسان القرن العشرين: ميكانيكا الكم، فمنذ لحظة ميلادها وهي تحطّم حدسًا تلو الآخر، وتثبت استحالة تلو الأخرى[29]، لقد ألقت بمبدأ التأكيد بعيدًا، قاضيةً على شيطان لاپلاس المزعوم الّذي إذا عرف موقع وعزم كل جسيم في الكون فسيعرف ماضي ومستقبل كل شيء، لقد أثبت هايزنبرج في المبدأ الشهير أنه لا يمكن تحديد الموقع وقياس كمية الحركة لجسيمٍ ما على وجه الدقة، ليس لأن قدراتنا على القياس محدودة، ولكن لأن عدم التأكيد موجودٌ في بنية الكون نفسها، الفكرة الّتي لم يستسغها أينشتاين لأن «الله لا يلعب النرد بالكون»، مبادئ أخرى مناقضة للحدس العام بكل المقاييس مثل التراكب الكمّي Quantum Superposition الّذي يعني وجود النظام الكمّي في عدة حالات معًا كما في تجربة قطة شرودنجر العقلية الشهيرة، مبدأ آخر هو التشابك الكمّي Quantum Entanglement الّذي ينصّ على أن جسيمين في حالة تشابك لا يمكن وصف حالة أحدهما بمفرده، فهما يشكلان نظامًا واحدًا مهما بعدت المسافة بينهما، فلو أن أحدهما على طرف المجرة والآخر على الطرف الآخر سيظلان متشابكين، وإذا أثّر مؤثّر على أحدهما فسيؤثر على النظام كله متضمنًا الآخر، ولماذا هذه الظاهرة حقيقية؟ لأن انتفاءها سيعني ببساطة أن معادلات جبرية بسيطة لا حل لها ستتطلّب حلًا، وهو أمرٌ مستحيل، وحينما سيوضع الحدس العام الاستقرائي في كفة والهيكل الاستنباطي في الكفة الأخرى، فلن يصعب الاختيار.

يسهل أن نرى الاستحالة (المُستنبطة نظريًا) قيودًا دائمة للعقل، مرضًا عضالًا لا شفاء منه، غير أن للقصة جانبًا آخر. إن الأمن السيبراني قائمٌ اليوم على شفرة الـ RSA، وهي شفرة مبنيّة على حقيقة رياضية بسيطة هي أن تحليل الأعداد إلى عواملها الأولية أمرٌ بالغ الصعوبة (طبعًا لا نتحدث عن تحليل $15 = 3 \times 5$ ولكن نتحدث عن الأعداد هائلة الكبر الّتي تتكوّن من ثلاثمائة خانة عشرية مثلًا) وتلك الصعوبة هي ما تجعل الشفرة مؤمّنة، لكن لا يوجد إثبات نظري يقول بأن التحليل للعوامل الأولية في وقتٍ معقول أمرٌ مستحيل، بل على العكس توجد خوارزمية بالفعل لتحليل الأعداد إلى عواملها الأولية هي خوارزمية شور[30] Shor's algorithm لكنها فقط تتطلّب لتطبيقها حاسبًا كموميًا أكبر من إمكانياتنا في هذا العصر، كنا نرجو للاستحالة أن تقف في صفنا هذه المرة لكنها لم تفعل، لذا فمن المُحتمل أن كل يومٍ نعيشه يقرّبنا أكثر من يوم قيامة افتراضي Crypto-Pocalypse ينتهي فيه الأمن المعلوماتي كما نعرفه اليوم، على النقيض في الحوسبة الكمومية سيمكن صياغة نظام تشفير كمومي أثبتنا بمبدأ التشابك الكمّي أنه لا يمكن فكّه أبدًا.[31]

إن الوقوف على حافة المستحيل ليس بالضرورة صلاةً لرثاء غايات لن تُنال، بل في كثيرٍ من الأحيان تأملٌ في الخط الفاصل بين الممكن وغير الممكن حيث يمكننا استخدام المستحيل كأداةٍ بنّاءة كما في مثال التشفير، إنه ليس إحباطًا أو حسرةً أو تقليلًا من قيمة الطموح البشري والتقدم التكنولوچي، ليس تحديًا كما رآه هيلبرت، فكما يقول عالم الكونيات البريطاني چون د. بارو[32]: العلم موجود أصلًا بسبب الاستحالات، ففي نظامٍ كل شيء فيه ممكن وما من حدود لأي أمر لن تكون ثمة تعقيدٌ ولا حياة. وعلى صعيد اكتمال المنطق الرياضي واتساقه فتوجد ملاحظة جديرة بالاهتمام، وهي أن النظريات الّتي تدرك نفسها ثم تنقدها هي دومًا ما تكون أقوى النظريات المنطقية، هو نفسه ما يحدث عند تطوير مشروعٍ لما يسمّى «نظرية كل شيء» إذ تنتهي النظرية بأن تتناول نفسها وتدرك بالمفارقة أنها لن تدرك كل شيء، تتنبأ بأنها لا تستطيع التنبؤ، إننا قد بلغنا عندها قوة منطقية كبيرة مكّنتنا من نتيجة كهذا. إن تاريخ العجز والاستحالة ليس منفصلًا عن تاريخ التحقيق والإنجاز، لقد مرّ زمنٌ هائلٌ على وجود الإنسان، تطوّرت فيه حدسياته وتوقعاته، تعلّم أن يكون عقله أكبر من الاستقراء والأدلة الإمبريقية، أن يفكّر خارج حدود أنشطته اليومية، أن يتخيّل ويمارس الفن، وأن يتعلّم من المستحيل أن ما لا يمكن معرفته، قد يكشف لنا -ولنعتبرها مفارقة أخرى جديدة- أكثر مما يمكن معرفته.

مصادر

[1] Jesper Lutzen, A History of Mathematical Impossibility. Chapter 19: Impossibility in Physics.

[2] Bertrand Russel. The Problems of Philosophy. VI. On Induction.

[3] Sextus Empiricus. Outlines of Pyrrhonism.

[4] Luke 18:27 and Mark 10:27.

[5] Jesper Lutzen, A History of Mathematical Impossibility. Introduction.

[6] Previous.

[7] Previous.

[8] Jean Christianidis. Classics in the History of Greek Mathematics. The Discovery of Incommensurability.

[9] Jesper Lutzen, A History of Mathematical Impossibility. Chapters 7, 8 and 9.

[10] Previous. Chapter 15: Impossibility of Proving the Parallel Postulate.

[11] John D. Barrow. Impossibility: The Limits of Science and the Science of Limits. Chapter 1: The art of the impossible.

[12] Previous.

[13] Previous.

[14] Titus 1:12.

[15] Douglas Hofstader. Godel, Escher, Bach: An Eternal Golden Bride. Introduction.

[16] John D. Barrow. Impossibility: The Limits of Science and the Science of Limits. Chapter 1: The art of the impossible.

[17] Charles C. Pinter. A Book of Set Theory. Chapter 7: Finite and Infinite Sets.

[18] Stanford Encyclopedia of Philosophy. Paradoxes and Contemporary Logic.

[19] Jesper Lutzen, A History of Mathematical Impossibility. Chapter 16: Hilbert and Impossible Problems.

[20] Rebecca Goldestein. Incompleteness: The Proof and Paradox of Kurt Godel. III. The Proof of Incompleteness. Godel’s First Great Overlooked Moment: A Triviality Not So Trivial.

[21] Jesper Lutzen, A History of Mathematical Impossibility. Chapter 17: Hilbert and Godel on Axiomatization and Incompleteness.

[22] Rebecca Goldestein. Incompleteness: The Proof and Paradox of Kurt Godel. III. The Proof of Incompleteness. Step Two: Godel Numbering.

[23] Previous. III. The Proof of Incompleteness. The Second Incompleteness Theorem.

[24] H Eves Mathematical Circles Adieu (Boston 1977)

[25] Rebecca Goldestein. Incompleteness: The Proof and Paradox of Kurt Godel. III. The Proof of Incompleteness. Step Two: Godel Numbering.

[26] Previous. III. The Proof of Incompleteness. Wittgenstein and Incompleteness.

[27] Alfred Tarski. The Concept of Truth in Formalized Languages.

[28] Michael Sipser. Introduction of the theory of Computation. Chapter 4: Decidability.

[29] Jesper Lutzen, A History of Mathematical Impossibility. Chapter 19: Impossibility in Physics.

[30] Phillip Kaye, Raymond Laflamme & Michele Mosca. An Introduction to Quantum Computing. Chapter 7: Algorithms with Super-polynomial Speed-up.

[31] Previous. Chapter 5: Quantum Superdense and Quantum Teleportation.

[32] John D. Barrow. Impossibility: The Limits of Science and the Science of Limits. Chapter 8: Impossibility: Taking Stock.

 

 

الرجل الّذي خرج من البلّاعة

قصة قصيرة كتبتها بتاريخ 23 نوفمبر 2021 خرج رجلٌ من بلاعة، نزع الوحل عن عينيه، ثم أدرك أنه يغرق في ظلام، ليس أعمى لأنه يرى بالفعل قبسًا من نو...